بقلم : سعد الهديفي الأربعاء 14-06-2017 الساعة 01:30 ص

سقطت الأقنعة

سعد الهديفي

يقول الله عز وجل في كتابه الكريم (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) ويقول في محكم تنزيله (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ) هذه آيات بينات تدعو المسلمين إلى الالتزام بما تعاهدوا عليه وتحثهم على الوفاء بالعهد، العهد الذي أبطلته الصفقات وسيَّسته الشهوات، فلقد أصبحنا في زمن المتناقضات، فالوقوف مع المسلم المستضعف إرهاب، وإيواء اللاجئين ودعمهم بمنازل وطعام واحتياجات أساسية إرهاب، وكفالة الأيتام إرهاب، واحتواء أزمات المنطقة كجنوب السودان ولبنان إرهاب، وإبداء الرأي في قضايا العالم إرهاب، وعدم مباركة انقلاب في مصر أيضا إرهاب، والوقوف مع الإخوان سواء على حق أو غيره إرهاب، وبناء المساكن في غزة وتغيير حياتهم للأفضل إرهاب، وإعلام حر على أرضك تقوده الجزيرة أكبر إرهاب، فلا أحد يفضح جرائمهم ويعرّي مجازرهم وخزيهم إلا الجزيرة تلك التي باتت هامةً إعلامية لا يشكك فيها إلا من بات مغيب العقل والهوية.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الْمُسْلِمُ لِلْمُسْلِمِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا " تناسوا كتاب الله تعالى وسنة نبيه وكأنهم مخلّدون في هذه الأرض لدرجةٍ جعلتهم ينصاعون لأوامر العم سام، فكان الاجتماع الإسلامي خاليا من المواقف المشرّفة للإسلام والمسلمين، بل فيه تآمروا على المستضعفين وبدلاً من أن يناصروا المساكين أجمعوا أمرهم على إبادة الشعوب وإهدار كرامة المسلمين حتى بات الذل سمة المسؤولين الذين لا يزالون يبحثون عن مخرج لخطتهم الخبيثة التي كانوا يهدفون من ورائها إلى إقصاء قطر عن فضح مخططهم الخسيس الذي دُبِّر له بليل مع العدو الصهيوني لإيمانهم بأن قطر لن تكون شريكا لهم في جرائمهم ضد الشعب الفلسطيني في غزة، ولأنهم يعلمون علم اليقين أن الحرب على غزة لن تمر دون أن تبذل قطر الغالي والنفيس من أجل وقف هذه الحرب المزمع شنها على أهل غزة المرابطين الأبطال الذين يتصدون للعدو الصهيوني ليلاً ونهاراً، وبدأوا في تنفيذ مآربهم، فاستيقظ القطريون على حصار من الأشقاء ظناً منهم أن الأخ الصغير طري العود وسهل الانصياع لأوامر المحاصرين، حصار أتى بعد تلفيقات وإساءات مفادها "الكل معنا وأنتم مستضعفون في الأرض ناسين" قول الله تعالى "قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ".. اعتقدوا منذ الوهلة الأولى أن مكاسب الحصار ستُقطَف سريعا في أقل من 24 ساعة، ولكن المفاجأة باغتتهم فلا قطر أساءت لهم أو لرموزهم، ولا روَّعت مواطنيهم في أرضها كما فعلوا وأساءوا، بل التزمت الصمت لأنه "ذهبٌ" في ظل غوغاء هنا وهناك وافتراءات لتعزيز أوهام الشيطان، مضى المسلسل وسقطت الأقنعة وفوجئنا بجيران وعرب ومن كنا نحسبهم إخواناً يسارعون في المقاطعة من أجل حفنة من الدولارات، فمقاطعة قطر والحصول على مبلغ من المال خيار أفضل لمن لا كرامة له. فهرولت صغار الجزر وبعض الدول للانضمام إلى المحاصرين وطرد السفير القطري من أراضيهم، وبعضهم أخذه الجنون إلى تجريم مواطنيهم فقط إن تعاطفوا مع قطر، ووصل بهم الأمر إلى أنهم أخفوا اسم قطر من فوق أغلفة السلع التي تُباع في المجمعات التجارية.. مسكين هذا الشقيق! إنه يعاني مرض حب الذات، أكمل المحاصرون جرمهم فطردوا القطريين من بلدانهم ومنعوهم من دخول بيت الله الحرام ظنا منهم أنهم مالكو البيت لا خادميه، وهذا التصرف يستدعي من قطر والدول الإسلامية تشكيل هيئة عالمية إسلامية من جميع الدول الإسلامية لخدمة زوار الحرمين الشريفين بالتناوب، بحيث لا يقتصر الأمر على السعودية فقط كي لا يُمنع أحد من المسلمين من دخول أقدس بقاع الأرض وأطهرها الحرم المكي والحرم المدني وأداء مناسك الحج والعمرة، لقد تمادوا في ظلمهم وغيهم ظنا منهم أن قطر بحكومتها وشعبها ستسامحهم كما جرت العادة، ولكني أرى وعياً كبيراً هذه المرة من الجميع، ولُحمة وتكاتفاً وحرصاً على عدم الانزلاق إلى القاع، فقطر علمتنا أن نكون مترفّعين عن الإساءات واستخدام المفردات البذيئة وألا نسئ إلى رموز الغير أو أعراض الناس، قطر أسمى بأميرها الشاب الحكيم الفذ الفطن من أن ترد على تلك المهاترات الإعلامية والافتراءات الدبلوماسية والتصرفات الصبيانية.

الطريف أن مصر استغلت الأزمة كعادتها أسوأ استغلال متوهمةً أنها قد حانت الفرصة لتصفية حساباتها مع قطر، وظنا منها أن الدولة هشّة كهشاشة اقتصادها الضعيف، وأفضل ردٍّ على قائد الانقلاب ومن معه هو قول الشاعر:

يخاطبني السفيه بكل قبح فأكره أن أكون له مجيبا

يزيد سفاهة فأزيد حلما كعود زاده الإحراق طيبا.

الحصار الآثم أثبت لنا قوة وصلابة الدبلوماسية القطرية، وهنا أوجه شكري وتقديري لسعادة وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني الذي جاب العالم شرقا وغربا ليُطلع وزراء الخارجية على حقيقة الموقف، ومحاولة الأشقاء الافتراء على قطر ولصق التهم بها لإخضاعها لسياسية "اتبعني وأنا سيدك".

قطر كانت ومازالت البيت العربي الذي يحترم خصوصية الجار ويسعى إلى حل أزمات المنطقة ومحاربة التطرف من خلال وجود قاعدة العديد العسكرية وانتشار الجمعيات الخيرية التي تسعى إلى تغيير الوضع المأساوي للاجئين والمحتاجين إلى ما هو أفضل من خلال التعليم والرياضة والبيئة الصحية الجيدة. قطر لم ولن تنسى قضية المسلمين الأولى وهي حماية المسجد الأقصى ودعم إخواننا الفلسطينيين بالمال والمسكن والكهرباء وأبناء جلدتهم في الضفة يسعون إلى خرابها، فها هم يطلبون من إسرائيل خفض الكهرباء عن القطاع ليصل إلى 25 % من طاقته الحالية ظنا منهم أنهم يخرجونهم من النور إلى الظلمات وأبطال غزة الذين لا يُخشى عليهم من غدر الأشقاء قبل الصهاينة يعلمون يقينا أن الحياة لن تدوم مهما طالت وأن من يدافع عن قضية لابد لصوته أن يصل إلى مشارق الأرض ومغاربها، لأنه مهما طال الأمد فلابد للظلام أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر. كشفت لنا هذه المؤامرة الدنيئة أن القطريين متمسكون بكتاب الله وسنة نبيه تابعون لهَدْي المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، لا مطبلين لولي أمرنا حتى وإن كان على باطل. في هذه الأزمة سجل التاريخ لنا مواقف مشرفة لن ننساها ما حيينا، تركيا الخير ترسل جنودها في قاعدة عسكرية مقرها قطر، مشروع وُقع منذ سنوات، إلا أن المصادقة أتت بسرعة لإخوانهم المحاصرين. لم يكتف الموقف التركي بذلك، بل أسرع أيضاً بإمداد السوق القطري باللازم من المنتجات الغذائية وتُوّج ذلك بتصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته وكلاهما أعلن للجميع الوقوف مع قطر ومساعدتها في هذا الحصار الغاشم وطالبا بضرورة إنهاء هذا الحصار والالتزام بالحوار من أجل حل الخلاف الذي وقع بين الأشقاء. أمير الإنسانية الشيخ صباح الأحمد سعى من كويت المحبة والثقافة ليكون وسيطا بين الأشقاء علَّ مساعيه تجمع الإخوان على خير، عُمان العز فتحت أرضها لتقول للجميع أنها صاحبة قرار مستقل ولها مع قطر علاقات وطيدة. الجزائر والمغرب وقفتا مع الأخ العربي لأنهما يعرفان عواقب هذا الحصار وتداعياته.

في الأزمة تساقطت أقنعة الإعلاميين كتساقط الخريف، يقول الشاعر:

قد يدعي معنى العفاف مخادع ويسوغ فلسفة الأماني حرامي

هذا بالضبط ما حدث.. ادفع واحصل على ما تريد من خلال أبواق زرعتها قيادات الفتن في منطقة الخليج لتكسب أسواقا جديدة وتستغل ما يحدث في المنطقة أسوأ استغلال، فبينما الجيوش تتوغل في اليمن لإعادة الشرعية كانت هي في جنوب اليمن وسقطرى تدعم لتنهب خيرات اليمنيين لاحقا وأشقاؤنا في سبات عميق.. سقطت أقنعة من خاف أن يقول كلمة الحق كي لا يخسر بعض المكتسبات فكانت بالنسبة إليه أهم من وطنه وقيادته وشعبه. سقطت أقنعة من كنا نعتقد أنهم أشقاء وأحباب أكرمناهم في مجالسنا وبيوتنا ولكنهم للأسف أوباش، سقطت أقنعة كثيرة ظنوا أن قطر لقمة سائغة سيتبدّل حالها في ليلة وضحاها، سقطت أقنعة قنوات هابطة ومذيعين متلونين كالحرباء تتلون خوفا من الحق، سقطت أقنعة جيران كنا نحسبهم إخوة، سقطت أقنعة كثيرة إلا أن المحصلة لما حدث هو خير لنا بإذن الله تعالى الذي يقول في محكم تنزيله (فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) نعم الخير آتٍ بإذن الله وتلك رسالة حرص سيدي صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني على إيصالها بنفسه إلى الشعب القطري (أبشروا بالخير.. أبشروا بالعز والخير) اللهم لك الحمد حمداً طيباً مباركاً على نعمك العظيمة وآلائك الكريمة، اللهم احفظ لنا وليَّ أمرنا من كيد الكائدين ومكر الماكرين، اللهم انصره نصرا عزيزا يا قادر وهيئ له البطانة الصالحة. اللهم احرسه بعينك التي لا تنام، اللهم من أراد قطر وأميرها وشعبها وجميع ساكنيها بسوء فأشغله بنفسه ورد كيده في نحره، اللهم احفظ قطر من كل سوء واجمع المسلمين على كلمتك يارب العالمين.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"