بقلم : محمد قيراط الأربعاء 28-06-2017 الساعة 01:34 ص

مطالب التصعيد والغطرسة وفرض الوصايا

محمد قيراط

جاءت لائحة المطالب التي قدمتها دول الحصار، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين وجمهورية مصر العربية بعد ثلاثة أسابيع من الانتظار وبعدما كان من المفروض تقديمها للنقاش والتفاوض على طاولة مجلس التعاون الخليجي قبل فرض الحصار، جاءت القائمة ضاربة عرض الحائط بمبادئ السيادة والاستقلال وحرية التعبير وحرية الصحافة وحقوق الإنسان.

من يقرأ المطالب يدرك تمام الإدراك أن الهدف منها هو النيل من سيادة قطر واستقلالها والمساس بأمنها الداخلي وبدستورها وقوانينها. فالنية ليست التفاوض ومناقشة بعض القضايا التي تهم مجلس التعاون الخليجي.

فإذا بدأنا بالمطلب الأول والذي يتعلق بالعلاقة مع إيران فالأمر غريب جدا وغير منطقي في لغة العلاقات الدولية وسيادة الدول، فالمتأمل في علاقات الإمارات العربية المتحدة مع إيران يلاحظ أن التبادل التجاري بين الإمارات وإيران يفوق 15 مليارات دولار سنويا إضافة إلى مئات الآلاف من الإيرانيين الذين يعيشون في دولة الإمارات.

أما بالنسبة للمطلب الثاني والمتعلق بإغلاق القاعدة العسكرية التركية في الدوحة فهو تدخل سافر في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة واستقلال، وقد يطلب نفس المطلب من الدول المحاصرة بإغلاق القواعد الأمريكية والفرنسية الموجودة على أراضيها.

وجاء المطلب السادس بخصوص إغلاق شبكة الجزيرة والقنوات التابعة لها وهذا المطلب يتناقض جملة وتفصيلا مع مبدأ حرية الصحافة والتعبير وكذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص على حرية الفرد في الحصول على المعلومة وعلى الأخبار. في هذا المقام قد يطرح نفس المطلب على الدول المحاصرة لإغلاق قناة العربية وسكاي نيوز العربية وأم بي سي والإخبارية وغيرها من الفضائيات والمؤسسات الإعلامية التي تملكها دول الحصار.

من جهة أخرى إذا كانت هناك تجاوزات واختراقات بإمكان أي دولة أن ترفع دعوة قضائية ضد الجزيرة وتأخذ حقها منها عن طريق القانون وإذا وصل الحد لإغلاق الجزيرة فلتغلق بطريقة قانونية. والموضوع هنا يتعلق بالقضايا التي تثيرها الجزيرة وتناقشها على المباشر أمام الشعوب العربية والرأي العام العربي. فالموضوع الذي يزعج دول الحصار هو موقف قطر والجزيرة من الربيع العربي ومن مطالب الشعوب العربية؛ هذا الموقف يزعج دول الحصار حيث إن وصول الإرادة الشعبية للسلطة يزعج كثيرا هذه الدول التي تخاف من الديمقراطية والحرية وإرادة الشعب. وما حدث في معظم دول الربيع العربي من إجهاض لثوراتها من قبل دول الحصار ما هو إلا خير دليل على ذلك. هذه الدول تزعجها قناة مثل الجزيرة التي تذهب بكاميراتها إلى بؤر التوتر وتقدم الحقيقة للشعوب العربية.

من المطالب التي تثير الاستغراب والتعجب المطالبة بالتعويض عن الخسائر التي تكبدتها دول الحصار من جراء الحصار التي فرضته هي بنفسها على قطر، وهنا نلاحظ عدم الجدية في وضع هذه اللائحة حيث إن الذي فرض الحصار هو السعودية والإمارات والبحرين ومصر والأخطر من الحصار هو فرضه في عز شهر رمضان، الشهر الفضيل وهذا إن دل على شيء إنما يدل على النية السيئة والمساس بأمن واستقرار دولة في شهر مبارك على كل المسلمين في جميع أنحاء العالم. والذي يجب أن يعوض الأخر هو الدول التي فرضت الحصار على قطر وأغلقت في وجهها المنافذ البرية والبحرية والجوية.

من المطالب كذلك الانسجام في المحيط الخليجي والعربي على كافة الأصعدة هل يعني هذا التخلي عن سيادة قطر واستقلاليتها في شؤونها الداخلية وفي سياستها الخارجية وهل يعني هذا أن تعمل قطر على إجهاض الثورات العربية كما تعمل دول الحصار وإلا فإنها خارجة عن المحيط الخليجي. المطالب بكل بساطة توحي أن هناك نية لمحاولة التحكم والسيطرة على صناعة القرار في مجلس التعاون الخليجي من قبل السعودية والإمارات وهذا بما يخدم مصلحة ورؤية وإستراتيجية هذين البلدين. والغريب في الأمر أن لائحة المطالب والتي وضعت بعد الحصار بثلاثة أسابيع والتي جاءت بعد إصرار الخارجية الأمريكية تضمنت مطلبا جاء فيه تحديد مهلة 10 أيام لتنفيذ المطالب وإلا ستعتبر اللائحة لاغية. وهذا يعني بكل بساطة أن النية من وراء المطالب هي ليست الحوار والنقاش والتفاهم والجلوس إلى طاولة المفاوضات وإنما الغطرسة وفرض الأمر الواقع وهذا ما يعتبر منافيا تماما للأعراق الدولية ومبادئ الدبلوماسية التي تقوم على الاحترام المتبادل من أطراف النزاع أو الخلاف. ومن المفارقات العجيبة المتعلقة بلائحة المطالب هو تسريبها قبل وصولها إلى الدوحة وهذا عمل يتنافى جملة وتفصيلا مع قواعد الدبلوماسية المتعارف عليها دوليا.

من التناقضات التي تثير السخرية كذلك المطالبة بالتعويضات وهذا يعكس عدم جدية المطالب وعدم جدية دول الحصار بحل الأزمة بطرق وسبل ووسائل جادة تكون مبنية على الاحترام المتبادل وعلى أخلاقيات العلاقات بين الدول. المطالبة بقطع العلاقات مع إيران هو تدخل سافر في شؤون دولة حرة مستقلة ذات سيادة. أما بالنسبة لموضوع إغلاق الجزيرة فمنظمات الصحفيين العالمية بمختلف مشاربها أدانت هذا المطلب واعتبرته مساسا بحرية الصحافة وحرية التعبير وحقوق الإنسان. فالنيويورك تايمز كتبت تشيد بالعمل التي قامت به الجزيرة في تغطية ثورات الربيع العربي وقضايا المضطهدين ومن لا منبر لهم.

أن قراءة متأنية وعاقلة في محتوى قائمة المتطلبات الجماعية لدول الحصار تكشف أنها جاءت حبلى ببنود تمثل في معظمها تدخلا سافرا في السيادة القطرية وفي استقلالية دول قطر كما تتعارض جملة وتفصيلا مع مبادئ القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان وحرية الرأي والصحافة والتعبير. من خلال هذه المتطلبات تحاول دول الحصار فرض الوصاية على قطر كما تعكس ازدواجية في المعايير سببها عدم وضوح الرؤى والإستراتيجيات وضعف المنهج وغياب الحجج والبراهين على الاتهامات الموجهة إلى قطر؛ فهناك مصطلحات وكلمات ومرادفات ليست واضحة ولها معاني ودلالات مختلفة إضافة إلى اتهامات عديدة من دون أدلة ولا حجج دامغة. لائحة المتطلبات تفوح منها لغة الإملاءات والاستعلاء وسياسة الترهيب والتخويف. دولة قطر أعلنت أنها مستعدة للحوار بعد رفع الحصار والجلوس إلى طاولة المفاوضات بهدف الوصول إلى حل يرضي الجميع ويرضي البيت الخليجي بطريقة حضارية وأخلاقية تقوم على الاحترام المتبادل لجميع أعضاء مجلس التعاون الخليجي.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"