بقلم : محمد قيراط السبت 01-07-2017 الساعة 12:42 ص

الأزمة المفتعلة وفوضى الموقف الأمريكي

محمد قيراط

المتأمل في الأزمة المفتعلة وعملية الحصار على دولة قطر المفروضة من قبل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرية وجمهورية مصر العربية يلاحظ أن الموضوع الرئيسي حول ما يجري هذه الأيام في منطقة الخليج يتمحور أساسا حول الثورات العربية ووصول الإرادة الشعبية إلى السلطة والممارسة السياسية وصناعة القرار السياسي. فدول الحصار لم تستلطف الثورات الشعبية منذ اندلاعها في سنة 2011 خوفا من انهيار أنظمتها والسقوط في أيادي من يؤمنون بالديمقراطية والتناوب على السلطة. ويشهد لدولة قطر أنها وقفت إلى جانب ثورات الربيع العربي مساندة الحشود والجماهير وإرادة الغالبية العظمى من الشعب في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا. بطبيعة الحال هذا الموقف لا ترضى عنه دول الحصار ولا ينسجم مع رؤيتها للأمور وإستراتيجيتها في التعامل مع تداعيات ونتائج الربيع العربي. هذا الاختلاف في الرؤى والإستراتيجيات أدى بدول الحصار إلى اتهام دولة قطر بالوقوف إلى جانب الجماعات الإرهابية ودعم الإرهاب. فالشباب الذي خرج للشارع في دول الربيع العربي للمطالبة بحقوقه والتعبير عن استيائه من المشاكل إلى يعيشها أصبح إرهابي. فالموضوع إذن بالنسبة لدول الحصار هو الوقوف أمام أي حركة تهدف إلى تغيير الأوضاع إلى الأحسن وممارسة الديمقراطية والمشاركة في صناعة القرار لأن مثل هذه الحركات تهدد الأنظمة الطاغية التي لا تريد التغيير ولا تريد مشاركة شعوبها في تقرير مصيرها.

ومن قال إن مقاربة دول الحصار في التعامل مع ثورات الربيع العربي هي المقاربة الصحيحة والإستراتيجية التي يجب أن يعمل بها؟ فقطر كدولة مستقلة وذات سيادة لها الحق في أن تكون حرة في سياستها الخارجية والتعامل مع القضايا الإقليمية والدولية. وأن تكون قطر دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي فهذا لا يعني بالضرورة أنها تستسلم كليا لسياسة المملكة العربية السعودية أو دولة الإمارات. ومن قال كذلك أن المملكة العربية السعودية من حقها أن تسيطر على مجلس التعاون الخليجي وتفرض إرادتها وسياستها. والمنطق يقول إن دول مجلس التعاون الخليجي غير ملزمة بتوحيد سياساتها الداخلية أو الخارجية. ويجب أن نقر هنا أن مجلس التعاون الخليجي لم يرق إلى اتحاد فهو في واقع الأمر منظومة تنسيقية تعاونية. يجب أن يعلم الجميع خاصة دول الحصار أن المجلس لم ينضج ولم يتطور منذ إنشائه سنة 1981 لتوحيد سياساته الخارجية والدفاعية والإعلامية...الخ. والمشاكل التي يعاني منها مجلس التعاون الخليجي هذه الأيام تعود بالدرجة الأولى إلى فشل المجلس على سبيل المثال في توحيد العملة وفي تطوير علاقات قوية في مختلف المجالات من شأنها أن تقضي على أي اختلافات بين الدول الست.

أما بالنسبة للدور الأمريكي في الأزمة المفتعلة وفي الحصار المفروض على قطر فهو جلي للعيان حيث إن الأزمة حدثت مباشرة بعد زيارة ترامب إلى الرياض. فالرئيس الأمريكي أستغل الوضع المتوتر في بيت المجلس الخليجي حيث حصل على 460 مليار دولار من السعوديين لمنحهم الضوء الأخضر لفرض الحصار. والغريب في الأمر أن الرئيس الأمريكي اتهم قطر بدعم الإرهاب ومطالبتها بالتوقف عن هذه الممارسات في حين أن وزير خارجيته ووزير الدفاع قدما تصريحات مناقضة تماما للرئيس معبرين عن الدور الفعال الذي تقوم به قطر في محاربة الإرهاب. وهنا نلاحظ تصريحات وتناقضات متضاربة بين الرئيس ترامب ووزير الدفاع ووزير الخارجية. وهذا يعكس انعدام الخبرة والتجربة والحنكة السياسة عند رئيس لا يؤمن إلا بالمال والتجارة. وإلى حد الآن نلاحظ التعامل السلبي للولايات المتحدة مع الأزمة المفتعلة ومحاولة ابتزاز دول الخليج من دون هوادة. فالرئيس الأمريكي فتح الباب على مصراعيه للسعودة والإمارات لفرض حصار على قطر في عز شهر رمضان من دون سابق إنذار وبدون أسباب واضحة وصريحة تستند إلى أدلة وبراهين؛ والأخطر من هذا نلاحظ أن دول الحصار قدمت مطالب وصفها العالم بأسره، بما فيهم الولايات المتحدة الأمريكية، وماعدا بطبيعة الحال دول الحصار، بأنها مطالب مخالفة للقانون الدولي ولسيادة واستقلال دولة قطر. مطالب على سبيل المثال تلزم دولة قطر بإغلاق قناة الجزيرة أي تكميم الأفواه وحرية الصحافة والتعبير والرأي العام وهذا مبدأ كما نعرف يمثل التعديل الأول من الدستور الأمريكي. فالموقف الأمريكي يتناقض جملة وتفصيلا مع خطورة الأزمة وتداعياتها على أمن واستقرار المنطقة حيث إن الأزمة أن استمرت فإنها تفتح الباب على مصراعيه أمام إيران للتغلغل أكثر في المنطقة وللمضي قدوما في سياسة تصدير ثورتها الإسلامية والتصعيد مع المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين وهذا بطبيعة الحال لا يكون لا في صالح دول المنطقة ولا في صالح الولايات المتحدة الأمريكية.

لا أحد ينكر أن هناك اختلافات في الرؤى والإستراتيجيات بين دول مجلس التعاون الخليجي والسبب في ذلك أن المجلس ليس اتحاد. من جهة الأخرى الاختلافات واردة ولا يحق لأي دولة في مجلس التعاون الخليجي فرض رؤيتها أو إستراتيجياتها انطلاقا من مبدأ أنها الأكبر مساحة والأكثر سكانا. هكذا منطق لا يخدم مصلحة كل الدول الأعضاء في المجلس حيث أنه يجب أن تسود روح العدالة والاحترام بين الجميع. خلاصة القول إن الأزمة لا تخدم أي بلد من بلدان مجلس التعاون الخليجي لكن على العكس ستعاني هذه الدول من الضعف ومن خسائر مالية ضخمة ومن شرخ كبير في نسيجها الاجتماعي وهذه الأمور كلها تصب في مصلحة الدول التي تتربص بالمنطقة وعلى رأسها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وإيران.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"