بقلم : د. فيصل القاسم الأحد 09-07-2017 الساعة 04:01 ص

هل اقتربت الفوضى الهلاكة من الخليج؟

د. فيصل القاسم

قبل اندلاع الأزمة الخليجية كنا نتساءل: هل كان الربيع العربي ثورات شعبية حقيقية انبثقت من صميم المجتمعات والشعوب العربية، أم أنه كان وقودًا لما أسمته كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد جورج بوش مشروع "الفوضى الخلاقة"؟.

وفي أغلب الأحيان كنا ندافع عن الربيع العربي باعتباره حركات ثورية شعبية حقيقية طال انتظارها، فليس من المعقول أن محمد بو عزيزي الذي أحرق نفسه احتجاجًا على وضعه المعيشي المزري في تونس كان وقودًا لمشروع كوندوليزا رايس، بل بالأحرى كان رمزًا لملايين المقهورين والمقموعين والمضطهدين من المحيط إلى الخليج. لقد حاججنا بهذه الأطروحة ومازلنا نحاجج ضد الذين اعتبروا الثورات العربية مجرد ألعوبة أمريكية لتحقيق الفوضى الخلاقة التي وعدت بها كوندوليزا رايس. لكن بعد أن بدأت تصل النار إلى الخليج العربي المرتاح اقتصاديًا ومعيشيًا بتحريض أمريكي اعترف به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه بعد زيارته المشؤومة للمنطقة، لا بد لنا أن نعيد حساباتنا قليلًا ونتساءل: هل كل ما حصل وسيحصل في المنطقة جزء من المشروع الأمريكي سيء الصيت؟

ماذا جنت الشعوب من ثوراتها حتى الآن في سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر وتونس؟ أليست النتائج التي وصلنا إليها حتى الآن تشير إلى أن كل الثورات تقريبًا لم تنتج سوى الفوضى المطلوبة أمريكيًا لإعادة رسم خرائط المنطقة وإعادة توزيع النفوذ الدولي فيها؟ لا نقول طبعًا ولن نقول يومًا إن الثورات كانت لعبة، بل إن المتحكمين بالعالم حرفوها عن مسارها واستغلوها لتنفيذ مشاريعهم المرسومة لبلادنا منذ عقود. قد يبدو السيناريو الخليجي مختلفًا عن السيناريوهات الأخرى في بلاد الثورات، خاصة أن الأوضاع الاقتصادية في الخليج أفضل بكثير من بلدان الربيع العربي بفضل الوفرة المالية المعهودة، ولهذا لا بد أن يكون سيناريو الفوضى والتخريب مختلفًا عما حصل في العراق وسوريا واليمن وليبيا. تعالوا نقارن بين ما حدث في بلاد الثورات، وما يمكن أن يحدث في الخليج لو، لا سمح الله، تطور الصراع بين دول الحصار وقطر وأخذ أبعادًا عسكرية.

ما هي أهم مظاهر الفوضى والتخريب في بلاد الربيع العربي؟ لعل أبرز ملامحها ضرب الشعوب ببعضها وتمزيقها طائفيًا ومذهبيًا وقبائليًا ومناطقيًا وقوميًا وعرقيًا لإعادة توزيعها جغرافيًا واستغلالها بطريقة جديدة. فلو أخذنا العراق مثلًا لوجدنا أن اللعبة الأمريكية القذرة منذ أيام الحاكم العسكري الأمريكي الأول بريمر استهدفت النسيج الشعبي في العراق، فبدأ اللعب مبكرًا على تفكيك الوحدة الوطنية العراقية، عن طريق تضخيم مظالم الشيعة والكرد، مع العلم أن المطلوب لم يكن بأي حال من الأحوال تحصيل حق الفئات المظلومة تاريخيًا في العراق، بل كان الهدف ضرب مكونات الشعب العراقي ببعضها طائفيًا ومذهبيًا وعرقيًا. وقد نجح المخطط بشكل بارع بعد أن تحول العراق إلى ملل ونحل متناحرة بعد أن كان دولة وطنية بغض النظر عن بعض مساوئ وديكتاتورية النظام السابق. لقد تفتت العراق القديم وتحول إلى كانتونات عرقية ومذهبية مفضوحة.

وحدث ولا حرج عن سوريا. صحيح أن الشعب السوري كالعراقي عانى الأمرين على مدى عقود من بطش النظام وقمعه، لكن هل حصل السوريون بعد أن تدخل كل كلاب العالم في بلدهم على أي إصلاح أو على وضع أفضل من الوضع القديم، أم أن أكبر ضحية للثورة السورية كان النسيج الوطني السوري على علاته؟. صحيح أن الوحدة الوطنية في سوريا لم تكن مثالية، لكن على الأقل كان هناك شعب سوري متعايش ولو بأضعف الإيمان، فقد نجح النظام في سوريا كما في العراق بسحق أي تململ شعبي على أساس فئوي أو مذهبي أو طائفي على مدى عقود. ولا شك أن ذلك يتنافى تمامًا مع المبدأ الديمقراطي، لكن هل الذي حصل عليه السوريون بعد الثورة له أي علاقة بالديمقراطية والحرية، أم إن الذي حصل كان تمزيقًا مفضوحًا للنسيج السوري الهش بموجب وصفة الفوضى الهلاكة؟ لم يحصد السوريون حتى الآن سوى تفكيك أواصر الوطنية، وتحولوا إلى ملل ونحل متذابحة كالعراقيين بعد أن أصبح بينهم آلاف الثارات.

ولا يختلف الأمر في ليبيا، فبرغم عدم وجود طوائف ومذاهب في ليبيا، فإن المتآمرين على الوطن الليبي وجدوا طريقة أخرى لتفتيت ليبيا وتمزيقها بالصراعات الفئوية والقبلية والدينية، فبدل أن يحصل الليبيون على ديمقراطية تنقذهم من ديكتاتورية القذافي، صاروا أيضًا فرقًا متصارعة حرقت الأخضر واليابس وجعلت بلدهم مسرحًا للاعبين الخارجيين.

وبدوره صار اليمن ساحة للتناحر بين اليمنيين على أسس مذهبية وحزبية. باختصار شديد، فإن المطلوب لم يكن تحقيق الديمقراطية والحرية للشعوب الثائرة، بل استغلال مظالمها لتحقيق المخطط الأمريكي القذر المعروف بالفوضى الخلاقة. وقد جاءت الأزمة الخليجية الأخيرة لتفتح جرحًا جديدًا في الجسد العربي الذبيح. لم يجد أصحاب مشروع الفوضى الخلاقة الظروف والأوضاع نفسها التي استغلوها لتمزيق بلاد الثورات وتفتيت شعوبها، فلجأوا إلى حيلة جديدة، فحرضوا بعض بلدان الخليج على دولة قطر، وساقوا حججًا سخيفة لا تنطلي على تلاميذ المدارس لدق الأسافين بين الشعوب الخليجية وتسليطها على بعضها لتحويل الخليج إلى مسرح جديد من مسارح الفوضى الهلاكة. لم يكن حصار قطر أبدًا مجرد عقاب للحكومة القطرية كما ادعت دول الحصار، بل كان محاولة مفضوحة لزرع الشقاق والعداوة والبغضاء بين الشعوب الخليجية ذاتها. وقد اعترف الرئيس الأمريكي نفسه بأنه هو الذي حرض دول الحصار على استهداف قطر بحجة رعاية الإرهاب، مع العلم أن كل الجماعات التي احتضنتها قطر كانت بضوء أخضر أمريكي كما اعترف المسؤولون الأمريكيون أنفسهم.

ندعو الله طبعًا أن يبعد الفوضى الأمريكية الهلاكة عن الخليج، لأن ملامحها لم تعد تخفى على أحد، لكن لو تطورت الأمور باتجاه التصعيد، فلن يكون مصير المنطقة الخليجية أفضل من مصير بلاد الثورات، حتى لو كانت وصفة الفوضى في الخليج مختلفة عن سابقاتها العربية. ليس العبرة في الوسيلة إذا كانت الغايات والنتائج متشابهة. هل ستبقى الشعوب الخليجية عائلة واحدة متداخلة كما كانت قبل الأزمة الخليجية المفتعلة أمريكيًا، أم أنها ستكون مشابهة لوضع الشعوب الأخرى المتناحرة؟ ألم تترك اللعبة الأمريكية جرحًا غائرًا لدى القطريين مع العلم أن الأزمة لم تتطور إلى ما هو أعظم بعد؟ أليس ما يحدث في الخليج لو تطور يكون أحد مظاهر الفوضى الأمريكية الهلاكة بامتياز؟

falkasim@gmail.com

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"