بقلم : صادق محمد العماري الأربعاء 12-07-2017 الساعة 01:57 ص

تسريب وثائق الرياض خطأ إستراتيجي

صادق محمد العماري

قطر تخوض معركة الكرامة دفاعاً عن مبادئها وسيادتها وشعبها

تسريب وثائق الرياض خطأ إستراتيجي سيقطع شعرة معاوية في مجلس التهاون

ما تشهده العلاقات الخليجية من تهور وطيش ومراهقة سياسية ينذر بوقوع كارثة في منظومة المجلس

السعودية أعلنت أن الإخوان المسلمين جماعة إرهابية وتحالفت مع حزب الإصلاح اليمني

رموز الإخوان المسلمين قدموا التهنئة للملك سلمان وكانت الزيارة أمام إعلامهم

أبوظبي متورطة حتى إخمص قدميها بمخالفة بند اليمن لاستضافتها نجل المخلوع

جماعة الإخوان المسلمين موجودة بقوة في البحرين وتحظى بدعم كامل من الحكومة

موقف أبوظبي يتناقض مع السعودية في الملف السوري حيث تعمل على دعم الأسد

قرصنة إلكترونية، تبعتها تصريحات ملفقة، تزامنت معها فيديوهات مفبركة وحملة إعلامية منسقة، هكذا بدأت أزمة الخليج بعد منتصف يوم الاربعاء 24 مايو 2017 لتبدأ معها افتراءات وإجراءات غير مسبوقة بين دول شقيقة ومجاورة يربط بينها الدين والدم واللسان والمصير.

دعونا نعترف أن الأخلاق في هذه الأزمة المفتعلة من دول الحصار معدومة، فقد تعمدت السعودية وأبوظبي والبحرين أن تكون المشكلة الخليجية بلا أخلاق ولا سياسة ولا حلول قابلة للنقاش، وهذه المبادئ المستحدثة من هذه الدول تذكرنا بعصور الظلام التي اجتاحت أوروبا بين سنة 500 إلى 1000 ميلادية، وهي فترة اتسمت بانتشار الجهالة الفكرية والتعصب والحروب والصراعات وانحسار الثقافة ومحاولة نشر الرأي الواحد والتخلف، وهي صفات تكاد تتطابق مع ما نشهده من أحداث في منطقة الخليج حيث تريد دول الحصار من قطر أن تمسح عقلها وارادتها وأن تسلم عقلها ومالها لهذه الدول حتى تحوز رضاها ويتكرموا عليها بأن يعيدوها إلى بيت الطاعة مسلوبة الإرادة والسيادة، وإمعاناً من هذه الدول في الغرق في تفاصيل التخلف الفكري قامت بمحاولة لإظهار دولة قطر بمظهر الشيطان الداعم للإرهاب الكاره للسلام المحب للفوضى، وهي صفات تنطبق عليهم بلاشك وتتوافر عليها عشرات الأدلة والوقائع بدءاً من تنظيم الأفغان العرب مروراً بـ11 سبتمبر وانتهاءً بتنظيم داعش.

هي بلاشك معركة الكرامة، حيث فرضت على قطر معركة غير أخلاقية تستهدف مبادئها وسيادتها وشعبها، وفي معارك الكرامة لا ينتصر إلا من كان الحق معه، ولأن الكرامة تتشكل مع ولادة الإنسان، فإن قطر ولدت كريمة وتشربت كرامتها من دينها وإنسانيتها ووقوفها إلى جانب الحق ضد الباطل، حيث إن دول الحصار تفتقد هذه الخصلة الحميدة فاعتقدوا أنهم يجب أن يتخلصوا من أي دولة لها رأي وموقف ومبدأ.

(2)

● ما ميز الحرب التي تخوضها قطر ضد محاولات طمس سيادتها أنها تتعامل مع خصوم في مرحلة المراهقة الفكرية والسياسية، ولاشك أنه من الصعب جداً أن يتفاهم الرجل الحكيم مع المراهق الطائش، حيث لا يمكن للحكيم أن ينزل لمستوى التفكير الضحل، وربما من المستحيل أن يرتقي المراهق السياسي بعقله لمستوى الحكمة، ومن أبرز أدوات المراهقة التي ابتكرتها دول الحصار ثقافة القرصنة والتسريبات، وبعد أن تمكن قراصنة يتبعون إحدى دول الحصار من قرصنة موقع وكالة الأنباء القطرية لدس تصريح كاذب، لم يكن من الصعب عليهم الاستمرار في ذات النهج مع تغيير طفيف، من القرصنة إلى التسريب، ومن لحظة قيامهم بتزويد وكالتي رويترز وأسويشيتد برس بقائمة الطلبات التي تقدموا بها لدولة قطر عن طريق الوسيط الكويتي، وتأكيداً على مبدأ لا أخلاقية الأزمة لم تحترم هذه الدول دور الوساطة التي اضطلع صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد أمير دولة الكويت حفظه الله، وقامت بالتسريب لإحراج قطر ثم اتهموها بذلك وانكشفت نواياهم السيئة بعد أن أكدت وكالتا الأنباء أنها حصلت على الطلبات من إحدى الدول التي تحاصر قطر، ربما لم يتمكنوا من شراء ذمم هاتين الوكالتين على الأرجح كما فعلوا مع وسائل إعلام سعودية وخليجية وغربية عديدة.

ثم مساء أمس الأول انتشر التسريب الثاني وهو الخاص بوثائق اتفاق الرياض 2013 والاتفاق التكميلي 2014، وكعادتهم لم يدرسوا الأمر جيداً ولم يحسبوا أبعاد الموضوع بصورة استراتيجية، حيث تأكدت قطر وحلفاؤها أن هذا التسريب يدين دول الحصار أكثر مما يدين قطر، ومن قرأ الوثائق المسربة التي كانت مختومة بعبارة "سري للغاية" يعلم أن دول الحصار هي من خالفت هذه الاتفاقيات وضربت بها عرض الحائط، وأن هذه الوثائق على الرغم من صياغتها العمومية إلا أنها كانت تستهدف قطر وحسب.

وبخلاف أن تسريب الوثائق جاء بهدف التشويش على دور الوساطة الكويتية المدعومة أمريكياً وبريطانياً، هي محاولة للبحث عن دور في أزمة افتعلوها ثم فوجئوا برفض دولي لهم وتهميش سياسي من وزير الخارجية الأمريكي الذي بدأ جولته الخليجية من الكويت ثم قطر، وقد كانوا يحلمون أن يبدأ الوزير الأمريكي تيلرسون جولته من الرياض أو أبوظبي، وبخلاف هذا كله، تولدت لدى الدول الخليجية الأخرى ومعها الدول الكبرى أن منظومة مجلس التعاون تتفكك مثل قطع الليغو بيد الأطفال الصغار، وأن الثقة والحفاظ على السرية انعدم في لحظة طيش صبياني لم يتعلم من السياسة أي حرف ولا يعرف عن علاقات الدول سوى أنها يجب أن تكون عن طريق التنمر مثل ما يحدث تماما في الأحياء الشعبية في كل من الرياض وأبوظبي وجزيرة البحرين، وعدا ذلك فإن المراقبين وصفوا تسريب وثائق الرياض بأنه تخبط سياسي وخطأ استراتيجي عميق سيعمل على إنهاء شعرة معاوية في مجلس التهاون الخليجي، وأزمة الثقة التي حدثت ستجعل المواطن الخليجي في صراع مع الذات بين ما يؤمن به وما يشاهده من واقع مرير تقوم به دول يفترض أنها تعمل على تعزيز الدور الإقليمي لدول الخليج، وبعد أن كان يسمع الشعارات والأغاني التي تمجد التعاون الخليجي، يكتشف أن أكبر دولة لا تحترم الأخلاق ولا الوثائق ولا التعاون.

(3)

ليس في التسريبات ما يدين قطر، فقد بادرت بالالتزام بكل بنود الاتفاقيات، وضحت ببعض قناعاتها في سبيل استقرار دول المجلس، ولكن ماذا عن التزام باقي الدول الموقعة على الاتفاقيات ذاتها هل التزمت أم كعادتها خرقت الاتفاقيات كما خرقت المبادئ الأخرى؟ الوقائع والأحداث تؤكد أنهم (السعودية – أبوظبي- البحرين) هم من خرقوا هذه الاتفاقيات قبل أن يجف حبر توقيعاتهم، فهم قاموا- على سبيل المثال لا الحصر- بما يلي:

1- قامت السعودية – التي أعلنت أن الإخوان المسلمين جماعة إرهابي - باستضافة حزب الإصلاح اليمني والتحالف معه في معركتها ضد الحوثيين ، ومعروف أن حزب الإصلاح هو حزب إخواني، ومع ذلك فإن قطر تعتبر التحالف بين الرياض والإصلاح خطوة سياسية مهمة لدعم الشرعية في اليمن.

2- بعد تولي الملك سلمان الحكم قدم إلى السعودية عدد من رموز الإخوان المسلمين لتهنئة الملك ولم يمنعهم أحد وكانت الزيارة تحت سمع وبصر وسائل إعلامهم.

3- تاريخياً، السعودية هي التي دعمت جماعة الإخوان المسلمين حين حاربهم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وقد استضافهم الملك فيصل رحمه الله وأكرمهم وتبنى فكرهم ودعمهم سياسياً ومالياً بقصد استخدامهم كورقة ضغط سياسي ضد عبدالناصر وضد الثورات الشعبية التي بدأتها مصر، وبعد أن تحولت الورقة السياسية من المكسب إلى الخسارة حاولت السعودية في عهد الملك الراحل عبدالله أن تتخلص منهم، إلا أن القدر كان أسبق ورحل الملك عبدالله.

وفتح الملك سلمان صفحة جديدة مع الإخوان إلا أن ثمة تحولاً في الموقف قلب فكر السعودية وقناعاتها مما جعلها تابعة لأبوظبي في هذه القضية السياسية.

4- تضمنت اتفاقية الرياض بنداً شديد الأهمية والحساسية يخص اليمن، وينص البند على: "عدم قيام أي من دول مجلس التعاون بتقديم الدعم لأي فئة كانت في اليمن ممن يشكلون خطراً على الدول المجاورة لليمن"، وهذه النقطة تحديداً تشهد أن إمارة أبوظبي متورطة حتى إخمص قدميها بمخالفتها، فهي تستضيف نجل المخلوع أحمد علي صالح الذي يعيش هناك مثل الرؤساء وتفتح له المجالس وتنقل وسائل الإعلام تصريحاته وبياناته التي يندد فيها بما يسميه "العدوان السعودي على اليمن"، كما أن أحمد علي صالح كان فاراً بوظيفة سفير ومنحته الإمارات كل الدعم المالي والسياسي وقدمت له فرصاً عظيمة في الاستثمار ووفرت له الحماية وكل ما يلزم حتى أصبح خنجراً مسموماً في ظهر السعودية، ويعمل أحمد علي صالح جاهداً على خدمة أجندة والده المخلوع علي عبدالله صالح الحليف القوي للحوثيين والمتسبب الأول في زعزعة الاستقرار في اليمن والسعودية، مما حول الحرب التي تخوضها السعودية في اليمن من معركة إعادة الشرعية إلى معركة استنزاف لمقدرات وموارد السعودية.. فمن خالف اتفاقية الرياض إذاً؟

5- جماعة الإخوان المسلمين موجودة بقوة في البحرين من خلال جمعية الإصلاح التي تحظى بدعم كامل من حكومة البحرين، ولها تواجد سياسي ملحوظ وتمثيل قوي في البرلمان، وبالعودة إلى التاريخ فإن الحكومة البحرينية قد احتضنت الإخوان كورقة سياسية لمواجهة المد الناصري، ورداً للجميل فإن الحكومة البحرينية احتوتهم واحتضنتهم ووفرت لهم المنابر وفتحت لهم البرلمان ليمارسوا دورهم السياسي بكل حرية.

6- تضمنت الاتفاقية كذلك نقطة مهمة حول "التزام كافة الدول بتقديم الدعم لجمهورية مصر العربية والمساهمة في دعمها اقتصادياً، وإيقاف كافة النشاطات الإعلامية الموجهة ضد مصر"، هنا يتضح اللامنطق حيث إن قطر من أوائل الدول التي قدمت الدعم للشعب المصري بعد 25 يناير عندما كان المجلس العسكري هو من يدير الدولة، واستمر هذا الدعم بعد وصول الرئيس محمد مرسي إلى سدة الحكم بعد انتخابات ديمقراطية تشهدها مصر لأول مرة في تاريخها، واستمر الدعم كذلك بعد انقلاب 3 يوليو عندما تولى عدلي منصور تسيير أمور البلاد في تلك الفترة، واستمر الدعم القطري في بدايات عهد السيسي، ولم يلتزم الإعلام المصري بالأخلاق الحميدة والأعراف المهنية في التعامل مع قطر، وفي الوقت الذي يطلبون فيه من قطر ورموزها إيقاف النشاط الإعلامي ضد مصر نجد أن الإعلام المصري يسيء إلى قطر ورموزها وشعبها ليل نهار عبر وسائل إعلام منحدرة الأخلاق والمستوى، ويتم هذا كله تحت سمع وبصر السعودية وأبوظبي، ويجب ألا ننسى كيف هاجم الإعلام المصري السعودية ووصف الملك سلمان بأوصاف لا تليق، فلماذا سمحت أبوظبي التي يعلم الجميع أنها من تدير أمور الحكم في مصر بمهاجمة السعودية ورموزها ولم تلتزم باتفاقية الرياض؟!

7- اشتمل اتفاق الرياض أيضاً على مادة مهمة جداً وهي: "عدم دعم المجموعات والجماعات التي تمثل تهديداً لأمن واستقرار الخليج في سوريا"، ومن يراقب ما يحدث في الساحة السورية يرى بكل وضوح كيف يتناقض موقف أبوظبي مع السعودية في الملف السوري، حيث تعمل أبوظبي جاهدة على تقديم الدعم المادي والسياسي والعسكري والتكنولوجي لنظام الأسد، وجميعنا يعلم كيف قامت أبوظبي بتسليم المعارضة السورية أجهزة إرسال واستقبال ثم قامت بتزويد النظام السوري بالشفرة لاختراق هذه الاتصالات، والعديد من المراقبين السياسيين والعسكريين يعلمون أن أبوظبي وراء إطالة أمد القضية السورية، حيث تعلن أنها مع الشعب السوري وفي الوقت ذاته تدعم النظام، وغني عن القول أن دعم بشار هو تقويض للجهود التي تقوم بها السعودية وجميع دول العالم للتخلص من بشار الأسد فمن هو الذي يخالف الاتفاقيات؟ هل هي قطر أم غيرها؟

الخلافات في المواقف السياسية ليست جديدة على دول الخليج، ولكنها كانت في السابق تحل في اطار من العقل والحكمة، وما تشهده العلاقات حالياً من تهور وطيش ومراهقة سياسية ينذر بوقوع كارثة في منظومة مجلس التعاون التي لم تقدم لدوله أي إنجاز يذكر، أما ما يخص قناة الجزيرة ومحاولة إسكاتها فهي مجرد مناورة بهدف قمع الرأي الآخر، وليس من الجديد القول إن "الجزيرة" تعاملت مع إيران – على سبيل المثال- بصورة حادة خلال تغطيتها لحرب اليمن والأحداث في سوريا، ومع ذلك لم تقدم طهران على إغلاق مكتب الجزيرة أو الطلب بوقف بث القناة، هنا الفرق بين السياسة والمراهقة، ويتضح الفارق بصورة حادة عندما نعلم أن العراق وإيران أثناء حربهما التي امتدت 8 سنوات لم تقوما بغلق سفارتيهما في البلدين، بينما سارعت السعودية وتوابعها لغلق سفاراتها في قطر وطرد الدبلوماسيين والمواطنين القطريين من أراضيهم والتضييق على المعتمرين والحجاج القطريين بسبب أكاذيب وقرصنة وتسريبات.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"