بقلم : صلاح بن غانم العلي الإثنين 31-07-2017 الساعة 02:35 ص

بسم الله مجراها ومرساها

صلاح بن غانم العلي

في ليلة من صيف سنة 1925، وبينما كان بحارة الخليج على ظهور السفن بعد يوم طويل من الكفاح بحثاً عن اللؤلؤ، على أمل أن يرزقهم الله من خيره، هبّت فجأة عاصفة هوجاء لم تميز بين سفينة وأخرى، فعبثت بجميع من في بحر الخليج، وأرعب صداها كل من في برّ الجزيرة العربية.

كانت تلك الليلة بحق من أشد الليالي التي مرّت على الخليجيين قسوة، لقد خلفت تلك العاصفة كارثة إنسانية لا يمكن أن تمحى من ذاكرة الزمن، لذلك أطلق عليها أهل الخليج (سنة الطبعة).

انحسرت العاصفة فجأة كما بدأت، وأشرقت شمس الصباح على مشهد آلاف الجثث من أسلافنا على صفحة البحر الهادئ، وحولها بقايا أشرعة السفن وألواحها كما لاح أيضاً في الأفق القليلُ من السفن التي كتب الله لها ولأهلها النجاة، وشرع من عليها يتفقدون الجثث، علّهم ينقذون من كان فيه بقيّة حياة.

لقد كان بديهياً لأهل الخليج أن ينظروا إلى حادثة الطبعة انطلاقاً من إيمانهم بالقضاء والقدر، فإن إرادة الله فوق كل شيء، ولا رادّ لحكمه، قال تعالى: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) صدق الله العظيم، والله عز وجل بحكمته وعلمه وكرمه يوفق من يشاء من عباده إلى أسباب نجاته من نوائب الدهر، مثلما أوحى إلى ذي النون عليه السلام، بعد أن تقطعت به السبّل في بطن الحوت، أن يلهج بالدّعاء والنداء قائلاً: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) صدق الله العظيم، فكان هذا الدعاء سبباً في نجاته إننا نستعيد هذه النائبة المأساوية للطبعة في صيف 2017 وغيرها، لأهمية الأثر الذي تركته على حياة القطريين وثقافتهم بشكل خاص، وللاستفادة من دروسها، فإن على الأمم والدول أن تمتصّ رحيق الحكمة من أحداث التاريخ لتغذيّ به حاضرها ومستقبلها، والله تعالى يقول: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) صدق الله العظيم، ولقد قيل: لا تسأل عمّن هلك كيف هلك، لكن اسأل عمّن نجا كيف نجا.

وقد تعالت في الآونة الأخيرة أصوات الذين يسعون في الأرض فساداً، ويروجون الأباطيل للإضرار بدولتنا الحبيبة قطر، فكانت عاصفة هبّت فجأة في وقت متأخر من ليلة العاشر من رمضان، والقطريون ما بين نائم وقائم، عاصفة مصطنعة من الأنباء الكاذبة أطلقها من يريد إغراق سفينة قطر المباركة التي شاء الله أن يكون مجراها ومرساها باسمه، فتلاشى كل ما جاءت به العاصفة من إسفاف وسفاهة، وستظل السفينة تبحر باسم الله لا يضرها الموج المتلاطم ولا تخيفها الريح العاصف.

فالحمد لله كل ما جات نايبه

جعلها لنا عز رفيع بناه

"المؤسس"

لقد مرت قطر الحبيبة وأهلها بالكثير من النوائب في تاريخها المعاصر، بعضها طبيعي كما حدث في سنة الرّحمة 1918، التي قضى فيها الكثير من القطريين بسبب الإنفلونزا الإسبانية وسنة الطبعة 1925، وأخرى اقتصادية كانهيار سوق اللؤلؤ سنة 1929، وما خلفه من مجاعة، وأيضاً الكثير من الحروب التي ضحى فيها القطريون بأنفسهم وأولادهم وأموالهم حتى أتمّ الله عليهم من فضله بالنصر المؤزر بعد كل نائبة.

إن لنا في تاريخنا عبراً، وإن التحديات التي خضناها بدءاً من جيل التأسيس والأجيال اللاحقة قد أظهرت بوضوح قدرة القطريين على تجاوزها، بل وبيّنت استعدادهم البطولي لمواجهتها في كل مرة والخروج منها أعزّ مما دخلوها.

واسمحوا لي أن أطرح هنا سؤالاً مهماً هو الذي من أجله كتبت هذا المقال وبدأته بالإشارة إلى حادثة الطبعة، ليقيني بأن الجواب عنه يلقي الضوء على إرث لدى القطريين وهو قدرتهم الفائقة على تجاوز النوائب، ونجاة سفينتهم في كل مرة.

وهذا السؤال هو: ما هذه القدرة الثقافية الكامنة لدى قطر في الاستجابة للتحديات؟

للإجابة عن هذا السؤال يجب أن ننتبه إلى شرطين أساسيين متلازمين إن توافرا تحقق الازدهار للدولة أو الحضارة فتنطلق القدرة الكامنة فيها للاستجابة للتحديات الكبرى، وإن غاب أحدهما أو كلاهما فمصيرها الزوال لا محالة، وهذان الشرطان هما فاعلية القيادة مع كفاءة الشعب، فتلازمهما يحوّل القدرة الكامنة عند أيّ تحدّ إلى طاقة إيجابية عظيمة تأخذ أكثر من صورة وشكل.

وإذا تفحّصنا الشرط الأول الخاص بفاعلية القيادة فسنجده قائماً على أمرين في غاية الأهمية، أولاً: رؤية القائد، وثانياً: الأبطال المخلصون (العصبة) الذين ينتقيهم القائد ويلتفّون حوله ويؤمنون برؤيته إيماناً صادقاً، فلا يثنيهم أمر مهما علا شأنه أمام تحقيقها وهم على استعداد للتضحية بأغلى ما يملكون ولديهم ملكة الإبداع التي تمكّنهم من إيجاد أنماط وحلول جديدة لتجاوز الصعاب التي يواجهونها وهم كذلك مثال وقدوة لغيرهم من أبناء المجتمع والملهمون لجميع فئاته.

وأما الشرط الثاني فيتعلق بكفاءة الشعب، فعندما يتحقق الإيمان بالرؤية بكل صدق فإن كل فرد من أفراد المجتمع سيتعزز انتماؤه لهذا الوطن وسيمنحه الشعور بأنه جزء من أسرة كبيرة متكاتفة متآخية، يشد بعضها بعضاً، ويحمي بعضهم بعضاً لتحقيق رؤية وطنية يعتبرها كل فرد منهم إنجازاً لم يكن ليتحقق لو كانوا متفرقين وسيجدون من خلال ولائهم وتضحياتهم معنى ساميا لحياتهم، وهذا ما سيطلق الطاقات الكامنة فيهم بكل تأكيد فتنجز الفئة القليلة ما يعجز عنه الألوف وتنتصر الفئة القليلة المؤمنة على أضعافها عدداً.

وقد وهب الله سبحانه القطريين هذه القوة بأن مكنهم من تحقيق هذين الشرطين منذ جيل التأسيس فمن يتفحص عهد المؤسسين سيتجلى له تلازم فاعلية القيادة وكفاءة الشعب، وتستوقفه الرؤية التي نادى بها الشيخ جاسم في دعوته لإقامة دولة مستقلة عزيزة قائمة على العدل ونصرة المظلومين.

ورفعت عنها الضيم لا رغبة بها

ولكن حماي لكل مصاب

"المؤسس"

كثيراً ما كان المؤسس رحمه الله يبين رؤيته القائمة على قيم القطريين وآمالهم سواء على منابر المساجد وهو يقف خطيباً في صلاة الجمعة، أو من خلال قصائده المليئة بالنصائح والتوجيهات التي نعتبرها نحن الآن إرثاً تاريخياً واجتماعياً يؤكد لنا صحة اتجاه مسارنا في كل مرحلة.

إذاً كانت الرؤية غاية في الوضوح، لأنها تنهض على ثوابت أساسية كالعدل ومناصرة المظلومين لذا آمن بها القطريون بل واعتبروها واجباً مقدساً، فالتفّوا حول الشيخ جاسم صغاراً وكباراً كالبنيان المرصوص، مستلهمين منه الصدق والتضحية واستطاعوا أن يواجهوا كل التحديات والمحن التي مروا بها ولم تُضعف من عزيمتهم، بل كانت تزيد من إيمانهم وثقتهم وكانوا يرونها ثمناً بسيطاً في سبيل الوطن الذي حلموا به، والقائم على العدل والكرامة، وها هي الأقدار اليوم تحمّلنا قيادة وشعباً واجب الحفاظ على القيم التي قامت عليها قطر الحبيبة وما يمثله علمها الأدعم من إحقاق العدل ونصرة المظلومين وسنسير بلاشك على خطى الآباء والأجداد، ولن نحيد عن طريق أسلافنا العظام.

وإنه من الواضح اليوم مدى التزام حضرة صاحب السمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حفظه الله بما ورد في خطابه عند توليه الحكم إذا قال: "ما يصنع الولاية الرشيدة عن الأمة هو العدل والصدق والقدوة الحسنة"، وقال أيضا: "قطر كعبة المضيوم عبارة قالها مؤسس الدولة، ورددّها سمو الأمير الوالد، وسوف تبقى على هذا العهد في نصرة المظلومين".

ولقد جاءت الأزمة الراهنة، واستجابة الشعب مواطنين ومقيمين لهذا التحدي الكبير وهبتهم الصداقة، والتفافهم حول قائدهم لتكون شاهدة على إيمانهم برؤيته، ومشاركة حيه منهم في إنجاز بطولي سيبقى خالداً على مر التاريخ وسيكون إن شاء الله إرثاً لأبنائهم وأحفادهم يفخرون به.

ومما لاشك فيه أن هذه العاصفة المفتعلة خير اختبار لهذه القوة الروحية الدافعة للمجتمع وسيأتي يوم تتذكر فيه الأجيال القادمة التي نهيئ لها الغد الأفضل يوم العاشر من رمضان ليكون قصة جديدة ملهمة في تاريخنا يأخذون منها الدروس والعبر ونكون بذلك قد أدينا الأمانة لهم على أتمّ وجه.

هكذا تلتحم فاعلية القيادة بكفاءة الشعب، وتستمر ملحمة القطريين من جيل التأسيس إلى جيلنا الحالي وإلى الأجيال القادمة بتوفيق من الله، ولنتذكر دائماً هذا البيت للمؤسس رحمه الله.

فالحمد لله كل ما جات نايبه

جعلها لنا عزٍ رفيع بناه

"المؤسس"

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"