بقلم : صادق محمد العماري الجمعة 25-08-2017 الساعة 02:44 ص

لأول مرة.. السعودية تمنع القطريين من الحج

صادق محمد العماري

المملكة تسيَّس الحج منذ وقت طويل

- أهل قطر لا يريدون من ينفق عليهم

- واقعة منع الحجاج ستشكل سابقة خطيرة في نفوس أهل قطر والمقيمين

- للمرة الثالثة لا يستطيع "البدون" من الكويت الحج

- الأوقاف الكويتية تأسف لمنع حج البدون

لأول مرة في التاريخ الحديث لا يتمكن حجاج قطر من الوصول إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج الركن الخامس في الإسلام. أما السبب فلا يعود إلى ضيق ذات اليد أو عدم وجود الراحلة والزاد، ولكنه يعود – بكل أسف – إلى تعنت السعودية وإصرارها الغريب على إقحام السياسة في الدين ورغبتها الجامحة في الضغط على الحكومات والشعوب عن طريق الحج والعمرة.

صحيفة "لوموند" الفرنسية هي من فتحت ملف تسييس الحج والعمرة بعد أن كشفت في 12 يونيو الماضي أن السعودية استخدمت ورقة الحج في ضغطها على الدول الأفريقية ذات الأغلبية المسلمة لدفعها إلى قطع علاقاتها مع قطر والانضمام إلى التحالف ضد الدوحة، وقالت إن السعودية وجهت تهديداً مبطناً إلى هذه الدول بتعقيد إجراءات الحصول على التأشيرة للحج والعمرة أو الانصياع لهم والوقوف ضد قطر مقابل تسهيل الوصول إلى الأراضي المقدسة.

بالتأكيد هو أمر مخز أن تعمد المملكة التي تتشرف بخدمة الحرمين الشريفين إلى الهبوط إلى هذا المستوى في التعامل مع أشقائها المسلمين، وعلى الرغم من أن العلاقات القطرية – السعودية شهدت خلال الماضي فتوراً في العلاقات وسحباً للسفراء أو تخفيضاً للتمثيل الدبلوماسي إلا إنها المرة الأولى التي يدفع فيها المواطن القطري حساب هذا الخلاف من دينه ومن عقيدته!.

في الحقيقة فإن استخدام الحرم المكي كورقة ضغط سياسية يعود إلى مرحلة بداية تأسيس الدولة السعودية، حيث شعر مؤسس المملكة – الذي كان حينها أميراً على نجد – أهمية السيطرة على مكة والمدينة ليتمكن من توسيع نفوذه السياسي والديني لخدمة الدولة الجديدة، وقام لأجل ذلك بالادعاء أن حاكم مكة آنذاك الشريف حسين منع الحجاج القادمين من نجد من الوصول إلى مكة، وعلى إثر ذلك أعلن الحرب ضد الحجاز للسيطرة على مكة والمدينة بعد أن حصل على فتوى شرعية من قبل علماء الدين.

وذكرت تقارير صحفية غربية وعربية أنه منذ ذلك الحين والحج والعمرة يخضعان للأهواء السياسية، حيث تمنع السلطات من تشاء وتسمح لمن تشاء والمعيار هو المزاج السياسي ومدى متانة العلاقات. ولا تتردد السلطات السعودية في تنفيذ ذلك من خلال زيادة أعداد الحجاج أو تخفيضها أو بوضع العراقيل على التأشيرات وصولاً إلى زيادة قيمة الرسوم، كل ذلك في سبيل تحقيق مصالح سياسية ولا يهم أن يتمكن مواطنو تلك الدول من أداء الحج أو العمرة، بل المهم تحقيق المصالح الشخصية لهؤلاء المتنفذين.

ولمن يدعي عكس ذلك ويرى أن السعودية لا تسيس الحج فهو لا يعلم أن المملكة منعت هذا العام وللسنة الثالثة على التوالي الحجاج المنتمين إلى فئة "البدون" من الكويت من الحج، وهو ما اعتبرته وزارة الأوقاف الكويتية ظلماً وإجحافاً بحق فئة تشكل 10% من سكان الكويت، والواقعة الأخرى التي حدثت لمعتمرين ليبيين من المعارضين لحفتر حيث ألقت السلطات السعودية القبض عليهما خلال أدائهما مناسك العمرة، ولا يشكل الليبيان أي خطر على أمن المملكة سوى أنهما لم يخضعا لسلطة المنشق خليفة حفتر المدعوم من أبو ظبي والغريب أن السعودية استجابت لحفتر في اعتقال الرجلين ولم تستجب للحكومة الليبية الشرعية، حيث أعلنت وزارة الخارجية الليبية في 27 يونيو 2017 أنها تقدمت بطلب للاستيضاح عن سبب اعتقال مواطنين ليبيين بدون سبب!.

لا يخفى على أحد أن واقعة عدم قدرة حجاج قطر على الحج هذا العام ستشكل سابقة خطيرة في نفوس أهل قطر والمقيمين الذين نووا الحج هذا العام، وسيؤرخ القطريون هذه الواقعة وستتناقلها الأجيال وستسجلها كتب التاريخ، وكما قال الإعلامي القدير مبارك بن جهام الكواري: "هذي السنة إللي ما حج فيها قطري" وهي تقليد قطري قديم على إطلاق اسم على السنين التي تشهد كوارث أو وقائع لا تنسى مثل "سنة الطبعة".

لم تفلح المناورة السعودية التي لجأت إليها السلطات هنا لمحاولة الهروب من تهمة "تسييس الحج" من خلال مقترحها الغريب بقدوم القطريين إلى منفذ سلوى ثم التوجه إلى مطار الإحساء لركوب الطائرات مجاناً! لم يقبل أهل قطر بهذا الحل ولا يريدون اللجوء إلى "حج التهريب"، ولا يطمئنون للذهاب إلى مكة بدون أوراق رسمية أو رعاية من الأوقاف وحملات الحج، وهم لم يطلبوا من أي شخص التكفل بنفقاتهم حتى تعلن السعودية أنها ستتكفل باستضافة حجاج قطر بالمجان، فأهل قطر لا يريدون هذا التفضل عليهم وحكومتنا أولى بأن تتكفل بنفقاتنا، ولهذا لم يتقبل أي حاج قطري هذا العرض المريب والغامض وأعلنوا أنهم لن يحجوا إلا عن طريق الأوقاف وحملات الحج.

لقد فشلت محاولات السعودية عندما أجبرت عدداً من المواطنين الذين دخلوا عبر منفذ سلوى للذهاب إلى المنطقة الشرقية للاطمئنان على حلالهم ومزارعهم بالتوقيع على أوراق تفيد بأنهم قدموا للحج حتى تستطيع السعودية أن تخدع المنظمات الحقوقية الدولية بأنها استقبلت حجاجاً قطريين، ولكن الكثيرين رفضوا هذه الأوراق وعادوا إلى الدوحة بعد أن اكتشفوا الخدعة.

سمعة المملكة على المحك، حيث استنكر العديد من المنظمات الدولية قيام السعودية بتوظيف الحج لتحقيق مكاسب سياسية، وطالب المرصد الأورومتوسطي أمس الأول من السعودية وقف شروطها المجحفة حتى يتمكن حجاج دولة قطر من الوصول إلى أراضيها لأداء فريضة الحج هذا العام، وأكد المرصد أن فرض قيود على الحجاج القطريين يتناقض مع مبادئ حرية العبادة، بدورها نددت حركة "المواطنة الكندية" بالقيود التي فرضتها السعودية على حجاج قطر ووصفتها بـ "الانتهاكات الخطيرة".

السعودية تقود نفسها إلى المجهول، وكل محاولة تقوم بها اعتقاداً منها أنها ستحقق من خلالها انتصاراً سياسياً تتحول إلى فشل ونقطة سوداء في سجلها السياسي والحقوقي والديني.

نأمل من المملكة أن تتوقف عن "المراهقة السياسية" وأن تعود إلى صوابها، فهي بذلك تبعد نفسها عن دورها الإقليمي الكبير لتتحول إلى دولة مشاغبة تثير المشاكل وتمنع المعتمرين والحجاج لأسباب سياسية واهية، لازلنا نأمل في أن تتراجع السعودية عن أن تكون جزءاً من المشكلة إلى أن تكون جزءاً من الحل، هل يتحقق ذلك قريباً؟ الله أعلم.

ختاماً أعبر عن أسفي لعدم تمكن 1600 حاج قطري ومقيم من الحج هذا العام وأسأل الله -تعالى- أن يتقبل منهم نواياهم وأن يتمكنوا من أداء الفريضة في العام القادم بإذن الله.

صادق محمد العماري

sadeq@al-sharq.com

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"