بقلم : حسن حاموش الأربعاء 20-09-2017 الساعة 02:28 ص

خطاب صاحب السمو يوقظ الضمير العالمي ويفضح دول الحصار

حسن حاموش

كانت الجلسة الافتتاحية للجمعية العامة للأمم المتحدة حافلة بالخطب والكلمات لزعماء العالم والتي تخللها مواقف سياسية مهمة تجاه الملفات الساخنة من كوريا إلى الشرق الأوسط، كما امتازت أيضًا بأنها شهدت أول إطلالة من المنبر الأممي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني كان أول زعيم عربي يتحدث في هذه الجلسة التاريخية، وكان خطابه تاريخيا بحجم تطلعات القطريين والشعوب العربية، وقد حظي باهتمام إعلامي منقطع النظير مثلما حظي باهتمام ومتابعة زعماء العالم وصناع القرار.

خطاب صاحب السمو الذي انتظره العالم لمعرفة ما سيقوله عبر إطلالته من المنبر الأممي بعد مائة يوم من الحصار الجائر كان خطابا مفصليا جامعا شاملا جذب الأسماع والأبصار من أول كلمة حتى آخر كلمة.

لعل كل من استمع لخطاب سموه وجد نفسه أمام مقارنة بخطب رؤساء الدول الذين تحدثوا في الجلسة الافتتاحية حيث ظهر جليا أن سموه تحدث كزعيم عربي وإسلامي يخاطب المجتمع الدولي بمنطق عالمي مؤثر.

لقد استهل صاحب السمو خطابه للمجتمع الدولي بطرح جوهر القضية التي تتفرع منها الأزمة الخليجية والأزمات الإقليمية، حيث أشار إلى ثوابت السياسة القطرية بقوله:"يمثل حفظ السلم والأمن الإقليمي والدولي أولوية في السياسة الخارجية لدولة قطر والتي تستند في مبادئها وأهدافها إلى ميثاق الأمم المتحدة وقواعد الشرعية الدولية الداعية إلى التعاون البناء بين الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحسن الجوار وتعزيز التعايش السلمي واتباع الوسائل السلمية لتسوية النزاعات".

هذا المدخل في خطاب سموه كان بمثابة الدخول في صلب الموضوع وتشخيص دقيق لأزمة المجتمع الدولي حيث أكد سموه أنه "لا يجوز أن يتراوح موقف الدول الكبرى بين تطرفيْن هما: إما الاحتلال المباشر للدول لفرض إرادتها وسياستها، أو اتخاذ موقف المتفرج الممتنع عن فعل أي شيء"، ولذلك أطلق سموه مبادرة أممية جديرة بالاهتمام وهي الدعوة إلى إبرام ميثاق دولي بشأن تسوية المنازعات بين الدول بالطرق السلمية.

هذه المبادرة التي أطلقها سموه تعتبر ركيزة أساسية لحفظ السلم والأمن الدولي والإقليمي وتحمي المجتمعات من المآسي والدمار والأضرار الشاملة.

لقد كانت الصرخة الإنسانية الموجعة التي هزت الضمير العالمي عندما قال سموه: "في كل مرة أقف هنا أدافع عن التعاون الدولي البناء والسلام العادل وحقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وتلك التي تتعرض إلى جرائم ضد الإنسانية، والواقعة تحت الحصار، وفي هذه المرة أقف هنا وبلدي وشعبي يتعرضان لحصار جـائر مـستمـر، فرضتـه دول مجاورة منذ 5 يونيو الماضي".

صاحب السمو تحدث عن الحصار بدقة متناهية وسمى الأشياء بأسمائها مع التزامه الشديد بالأخلاقية الرفيعة حيث عرض الوقائع للمجتمع الدولي بعيدا عن لغة التصعيد، بل جعل من قضية القرصنة التي تعرضت وكالة الأنباء القطرية التي افتضح أمر تدبريها من دول الحصار فرصة لتنبيه المجتمع الدولي والتوجيه إلى أهمية ضبط الفلتان الرقمي وعمليات القرصنة ووجوب وضع تشريعات دولية واضحة تنظم هذا المجال الخطير والحيوي وتعاقب مرتكبي الجرائم العابرة للحدود.

لقد كشف صاحب السمو الوقائع الكاملة لتفاصيل الحصار وتداعياته وانتهاكاته الخطيرة لحقوق الإنسان في العمل والتعليم والتنقل والحياة الاجتماعية، مشيراً إلى أن ما قامت به تلك الدول من حصار جائر والتدخل بالشؤون الداخلية للدولة عبر الضغط بالغذاء والدواء لزعزعة استقرار دولة ذات سيادة يعتبر أحد تعريفات الإرهاب.

ولفت صاحب السمو نظر المجتمع الدولي والرأي العام العالمي إلى أن ثمة دولا تبيح لنفسها، ليس فقط الاعتداء على دولة جارة لإملاء سياستها الخارجية والإعلامية، بل تعتقد أيضا أن حيازتها للمال تؤهلها للضغط على دول أخرى وابتزازها لتشارك معها في عدوانها، وهي التي يفترض أن تحاسَب دوليا على ما قامت به.

لقد أماط صاحب السمو اللثام عن دول الحصار وعراهم من أقنعتهم التي يتسترون خلفها فهم ليسوا دعاة محاربة إرهاب بل هم المتورطون والمتواطئون. مشيراً في ذلك إلى "أن الدول التي فرضت الحصار على دولة قطر تتدخل في الشؤون الداخلية للعديد من البلدان، وتتهم كل من يعارضها في الداخل والخارج بالإرهاب، وهي بهذا تُلحِق ضررًا بالحرب على الإرهاب، وهي في الوقت ذاته معارِضة للإصلاح وداعمة للأنظمة الاستبدادية في منطقتنا، والتي يتخرج الإرهابيون من سجونها.

خطاب صاحب السمو في الأمم المتحدة يرتقي إلى مرافعة قانونية جديرة أن تدرس في كيفية فضح الأكاذيب ودحض الافتراءات ووضع النقاط على الحروف، حيث قال سموه إن دول الحصار "وعدت كل من سألها عن أسباب الحصار أن تقدم له الأدلة عن مزاعمها العبثية وافتراءاتها ضـد قطـر، والتي تغيرت حسب هوية المخاطَب، وما زال الجميع ينتظر أدلةً لم تصل ولن تصل، لأنها غير موجودة أصلا، ويوجد نقيضها الكثير من الأدلة حول مساهمة قطر في محاربة الإرهاب باعتراف المجتمع الدولي كله".

لقد كان حرص صاحب السمو على إطلاع المجتمع الدولي على وقائع الحصار وأكاذيب الدول المحاصرة موازيا لحرصه على الحوار دون إملاءات ذلك، وإن حل النزاعات بالطرق السلمية هو أصلا من أولويات دولة قطر، مجددا الدعوة للحوار غير المشروط القائم على الاحترام المتبادل للسيادة.

إن خطاب صاحب السمو ارتكز على الثبات في الموقف وعلى التمسك بالعزة والكرامة وعلى رفض الإملاءات والانفتاح على الحوار، وهذا ما يعتز به كل من يقيم على أرض قطر الحبيبة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"