استفتاء كتالونيا.. معركة الصناديق والدستور

تقارير وحوارات الأحد 01-10-2017 الساعة 03:02 م

منع إجراء استفتاء الاستقلال في إقليم كتالونيا
منع إجراء استفتاء الاستقلال في إقليم كتالونيا
الدوحة - قنا

دخل استفتاء كاتالونيا اليوم، مرحلته الحاسمة حيث بدأ عشرات الآلاف من الناخبين صباح اليوم بالتوجه لمراكز صناديق الاقتراع التي أقيمت في مدارس الإقليم، في ظل مخاوف من تدهور الأوضاع الأمنية، وتلقت قوات الشرطة في الإقليم أوامر مباشرة بمنع إجراء الاستفتاء. وبالرغم من هذه الأوضاع إلا أن زعماء الإقليم قرروا المضي قدما في طريق التحدي والمواجهة مع السلطات في مدريد التي تعارض بشدة هذا الاستفتاء، الذي يشكل صدمة للأوساط السياسية الإسبانية خاصة وفي عموم القارة الأوروبية التي تراقب الأمر عن كثب.

مدريد تتدخل لمنع التصويت

وأغلقت السلطات الإسبانية أكثر من نصف مراكز الاقتراع البالغ عددها 2315 في كتالونيا أمس السبت، في وقت أصر فيه الانفصاليون على الاستمرار في الدفاع عن حقهم في التصويت. وتظاهر الآلاف في برشلونة ملوحين بالأعلام الكتالونية والإسبانية والأوروبية احتجاجا على الاستفتاء، وملأت الحشود الميدان الواقع وسط المدينة والذي يضم مقر حكومة الإقليم. وهتف المتظاهرون "نحن أيضا كتالونيون"، وقضى مئات المؤيدين للاستفتاء الليل بمدارس في عدد من مناطق الإقليم مع أطفالهم للمشاركة فيه.

وبالرغم من تلك المضايقات أكد رئيس الحكومة الكتالونية "كارلس بوتشديمونت" أن الاستفتاء سيجري لأنه يحظى بدعم الأغلبية الساحقة من مواطني الإقليم . كما دعا "بوتشديمونت" الكتالونيين إلى الدفاع عن الاستفتاء "بتمدن وبحزم"، مؤكدا أن هناك إجراءات من أجل ضمان التصويت في الاستفتاء، لكنه دعا أيضا إلى الوساطة للتوصل إلى حل بشأن الخلاف مع الحكومة المركزية في مدريد حول الاستفتاء. وقال إنه مهما كانت نتائج الاستفتاء ، فإن الحوار مع الحكومة المركزية أمر ضروري.

دعوة لوقف التصعيد

وسبق لرئيس الحكومة الإسبانية أن دعا قادة كتالونيا المنادين بانفصال الإقليم إلى "وقف التصعيد"، وقال في كلمة مخاطبا قادة الحراك الانفصالي إن الاستفتاء ليس إلا وهما . وتأتي هذه الدعوة في وقت واصلت فيه قوات الأمن الإسبانية حملة لتعطيل الاقتراع، واتخذت الحكومة في مدريد سلسلة من الإجراءات لتجريد الكتالونيين من أي وسائل مالية أو مادية لتنفيذ الاستفتاء.. وفي وقت سابق اعتقلت قوات الحرس المدني الإسباني خلال عملية دهم ببرشلونة 12 شخصا بينهم جوسيب ماريا جوفي الأمين العام لمستشارية الاقتصاد بحكومة كتالونيا، وهو الذراع اليمنى لنائب رئيس الحكومة الكتالونية، إضافة إلى زعيم حزب اليسار الجمهوري الكتالوني.

وأعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن قواتها صادرت عشرة ملايين من الوثائق المرتبطة بالاستفتاء وتشمل بطاقات تصويت ومنشورات وأوراقا دعائية مختلفة، فضلا عن صناديق اقتراع.

ويطالب مؤيدو الاستقلال منذ عام 2012 بمثل هذا الاستفتاء الذي أعلنت المحكمة العليا أنه غير دستوري. لكن "الاستقلاليين" يعتبرون المحكمة غير شرعية ومسيسة، وينص دستور إسبانيا لعام 1978، الذي وافق عليه أكثر من 90 في المائة من الناخبين الكاتالونيين، على أنه لا يمكن تقسيم إسبانيا .. كما ينص الدستور على أن وحدة الأمة الإسبانية لا انفصام لها وأن الوطن المشترك وغير القابل للتجزئة هو لجميع الإسبان". وعلى هذا الأساس، قضت المحاكم الدستورية الإسبانية عدة مرات بأن إجراء استفتاء على الاستقلال غير قانوني. ولكن يمكن تغيير الدستور من قبل البرلمان الإسباني فقط.

إقليم كتالونيا منطقة إستراتيجية

ويعتبر إقليم كتالونيا الذي توازي مساحته مساحة "بلجيكا" إحدى المناطق الأكثر إستراتيجية في بلد يُعد رابع أكبر اقتصاد بمنطقة اليورو، ويبلغ عدد سكان كتالونيا 7.5 ملايين نسمة، ويأتي ترتيبه السابع من بين 17 إقليما تتمتع بحكم ذاتي في إسبانيا . وتبلغ مساحة الإقليم 32.1 ألف كيلومتر ويضم 947 بلدية موزعة على أربع مقاطعات هي "برشلونة وجرندة ولاردة وتراغونة" .

وتصاعدت النزعة الاستقلالية بعد 2010 عندما ألغت المحكمة الدستورية، التي لجأ إليها المحافظون، "الوضع" الذي منح لكاتالونيا في 2006 ويعطيها صلاحيات واسعة . وفاز النواب المؤيدون للاستقلال بالغالبية المطلقة في البرلمان الكاتالوني الذي يتألف من 135 مقعدا للمرة الأولى وتعهدت الحكومة التي انبثقت عن تلك الانتخابات بإطلاق عملية الانفصال عن إسبانيا وتظهر استطلاعات الرأي انقساما متعادلا حيال الاستقلال في كاتالونيا ، إلا أن غالبية تفوق 70 بالمائة تريد إجراء استفتاء للبت في هذه المسألة.

تأثيرات على إسبانيا

وهناك تأثيرات متوقعة لهذا الاستقلال على إسبانيا ، تتمثل في خسارة إسبانيا مساحة من الأرض تقدر بحوالي 33 ألف كيلومتر مربع هي مساحة الإقليم الكتالوني، ويعني هذا أن إسبانيا ستخسر 16% من إجمالي مساحتها ، وسيخرج سكان إقليم كتالونيا وعددهم نحو 7,5 مليون نسمة من حسابات الأيدي العاملة الإسبانية، وهو رقم ليس بالهين كما سيتسبب فقدان إسبانيا للإقليم في حرمان مدريد من قوة اقتصادية كبيرة ومن مصدر حيوي للضرائب، خاصة أنه المقر الرئيسي للعديد من المجموعات والشركات العملاقة والمعاهد الكبيرة حيث يبلغ إجمالي الناتج القومي لإقليم كتالونيا 210 مليارات يورو .. ويعنى هذا أن إسبانيا ستخسر حوالي 19% من إجمالي ناتجها القومي كما أنها ستخسر أيضًا حوالي 26% من صادراتها التي كانت تتم نتيجة مواد مصنعة في الإقليم، هذا بالإضافة إلى أنه يتحكم في 70% من حركة النقل والمواصلات الخاصة بالتجارة الخارجية لإسبانيا، وإذا تحول الإقليم إلى دولة مستقلة فإن تكلفة نقل البضائع الإسبانية للتصدير سترتفع مما يؤدي لقلة الصادرات وخلخلة الاقتصاد الإسباني الضعيف أساسًا.

كما أن هذه المشكلة تظهر بقوة بسبب الوقت غير الملائم الذي تفجرت فيه لأن إسبانيا التي تعتبر إحدى أهم ركائز منطقة اليورو، تعاني حاليًا من أزمة اقتصادية كبيرة نتيجة صراعها مع تكاليف الاقتراض التي لا تستطيع تحملها، وارتفاع مستوى العجز العام مما تسبب بغضب شعبي نتيجة التأثيرات السلبية المنعكسة والمتمثلة في ارتفاع نسبة البطالة وتدابير التقشف الصارمة التي أثرت على الخدمات العامة.

الرياضة الإسبانية بدون برشلونة

يضاف إلى هذا أن عاصمة إقليم كتالونيا هي مدينة برشلونة المصنفة كواحدة من أعظم مدن العالم، حيث تجذب هذه المدينة ضعف عدد السياح الذين تجذبهم العاصمة الإسبانية مدريد. كما أن استقلال إقليم كتالونيا سيتسبب في خسائر كبيرة في الجانب الرياضي ، وسيحدث هذا الأمر هزة كبيرة لكرة القدم الإسبانية ، فغالبية شعبيتها على الصعيد العالمي سببها كل من فريقي ريال مدريد وبرشلونة، وبالتالي ستخسر كرة القدم الإسبانية الكثير على المستويين المالي والكروي إذا رحل عنها فريق برشلونة.

وفي المقابل فإن استقلال إقليم كتالونيا سيتسبب في خسائر كبيرة للإقليم على المدى القريب. فطبقًا لما ذكره لويس ليندي محافظ البنك المركزي الإسباني فإن استقلال الإقليم يعني خروجه من منطقة اليورو وسيفقد قدرته على الدخول إلى النظام الائتماني للبنك الأوروبي المركزي. كما حذر ليندي أيضًا من إمكانية أن يعاني الإقليم من أزمة اقتصادية شبيهة بالأزمة الاقتصادية الخاصة باليونان.

على جانب آخر فإن فريقا مثل برشلونة سيعاني بشدة على المستوى الاقتصادي والكروي في حال ابتعاده عن الدوري الإسباني لكرة القدم. وأبرز خسائره ستتمثل في عدم قدرته على المشاركة الأوروبية لأن كتالونيا بعد استقلالها مباشرة لن تكون تابعة للاتحاد الأوروبي لكرة القدم وذلك بانتظار مفاوضات ستستمر سنوات عديدة.

إقليم الباسك قد يسير على خطى كتالونيا

وفي حالة نجاح إقليم كتالونيا في الاستقلال فإن هذا الأمر سينعكس بمنتهى القوة على سكان إقليم الباسك، وهم أكثر تطرفًا من الكتالونيين، سيقومون بالبحث عن كيفية استقلال إقليمهم بشتى السبل. ولم تنس إسبانيا حتى الآن ما قامت به "منظمة إيتا" الانفصالية الباسكية من أعمال مسلحة حتى قبلت أخيرًا بالتخلي عن السلاح منذ 3 سنوات حيث أعلن إقليم الباسك بالفعل رغبته في الانفصال عن الأراضي الإسبانية بدءًا من العام القادم.

ويحذر المراقبون من تداعيات مواجهة وشيكة بين دعاة الانفصال في الإقليم والسلطات مدريد فيما أعرب عدد من المحللين والسياسيين عن مخاوفهم الشديدة من أن يؤدي استقلال كتالونيا بالفعل إلى وضع نهاية للدولة الإسبانية، لأن استقلال كتالونيا ربما يفتح الطريق أمام أقاليم أخرى في إسبانيا.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"