رضوان زيادة لـ"الشرق":الإدارة الأمريكية فشلت أخلاقياً وسياسياً في الأزمة السورية

حوارات الجمعة 13-11-2015 الساعة 11:21 م

رضوان زيادة يتحدث لــ"الشرق"
أجرى الحوار: عبدالحميد قطب

قال رضوان زيادة المدير التنفيذي للمركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية بواشنطن في حواره لـــ"الشرق" إن الإدارة الأمريكية فشلت أخلاقياً وسياسياً في الأزمة السورية وأنها لاتزال في مرحلة تقييم التدخل الروسي في سوريا وما إذا كان يستهدف تنظيم الدولة أم المعارضة السورية المعتدلة؟.

ولم يستبعد زيادة أن تكون موسكو قد حصلت على ضوء أخضر من واشنطن للتدخل العسكري في سوريا، وخاصة أن التدخل حدث بعد لقاء الرئيس بوتين بنظيره الأمريكي أوباما على هامش القمة الأخيرة للأمم المتحدة وهو ما اعتبره مراقبون موافقة ضمنية على التدخل.

وكشف زيادة أن وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة "هيلاري كلينتون " قد طالبت الإدارة الأمريكية بتسليح المعارضة السورية بالأسلحة النوعية، إلا أن هذا الطلب قد جوبه بالرفض من قبل الرئيس أوباما شخصياً.

واعتبر زيادة أن أهم رسالة روسية من التدخل العسكري في سوريا هي للمعارضة وفحواها "يجب أن تتعاونوا معنا من أجل مكافحة الإرهاب فقط ونسيان كل المطالب الوطنية والإقليمية "

وإلى نص الحوار ...

إلى الآن يعجز المراقبون والمهتمون بالشأن الأمريكي عن تحديد موقف واشنطن من التدخل الروسي في سوريا.. فالبعض يراه متقاطعا مع مصالح واشنطن في المنطقة والبعض الآخر يراه يتعارض مع النفوذ الأمريكي التقليدي.. هل لك أن توضح لنا وجهة نظر الإدارة الأمريكية الحقيقي؟

هناك نقاش دائر حاليا داخل واشنطن حول ماذا سيكون الرد الأمريكي بعد التدخل العسكري الروسي.. وأعتقد بأن الولايات المتحدة الآن في مرحلة" التقييم" بمعنى أنها تقيم ما الأهداف التي تستهدفها روسيا داخل سوريا؟ وهل تقتصر فقط على المعارضة السورية أو على تنظيم الدولة "داعش" كما تدعي روسيا؟ وبالتالي فبعد مرحلة التقييم ستتشجع الولايات المتحدة على اتخاذ موقف واضح فيما يتعلق بهذا التدخل، وما الخيارات التي من الممكن أن تتخذها تجاهه.

لكن أعتقد أن الولايات المتحدة وفي ظل إدارة الرئيس باراك أوباما ليس لديها رغبة في التدخل العسكري في سوريا، ولا في أي منطقة أخرى، لأنه يشعر أن أي تدخل سينتج عنه تبعات ربما تضر بالولايات المتحدة وخاصة فيما يتعلق باللاجئين والمُهَجَّرين وستزيد من معاناتهم، ولأنه يعتقد أيضا أن سوريا ستكون مستنقعا لروسيا كما قال هذا بشكل واضح .

وبالتالي فالولايات المتحدة لا ترغب بأي تدخل عسكري في سوريا أو أي منطقة أخرى حتى لا يُذكرها هذا بما حدث في أفغانستان والعراق.

وهذا الأمر سيجعل من خيار منطقة آمنة أو فرض حظر جوي أكثر صعوبة وخاصة بعد أن صارت روسيا بتدخلها العسكري لاعبا على الأرض، وسيعطيها مفاتيح القوة بشكل كبير، وهذا بالطبع عكس الولايات المتحدة التي ليس لديها وجود عسكري على الأرض السورية.

برأيك هل روسيا تدخلت في سوريا بموافقة الولايات المتحدة؟

لقد قرأت بعض التحليلات التي تنصب في هذا الإطار، وخاصة أن التدخل توافق بعد لقاء الرئيس بوتين بأوباما بـ24 ساعة فقط، وبالتالي ربما كان هناك ضوء أخضر أو موافقة ضمنية.

وفي الحقيقة أنا شخصيا لا أعرف هل هناك شيء من ذلك؟ لكن الرد الأمريكي ضد الضربات الجوية الروسية يعكس أنه يوجد هناك خلاف كبير بين واشنطن وموسكو، وربما يكون هناك خلاف شخصي أكبر بين الرئيس أوباما وبوتين، كذلك فإن الولايات المتحدة كذّبت فوراً الادعاءات الروسية بأن الضربات العسكرية تستهدف فقط تنظيمات إرهابية، بل وأكدت أن 90% من الضربات الروسية تستهدف المعارضة السورية المعتدلة حتى التى تدعمها واشنطن وتزودها بالسلاح، وهذا يجعلنا نعتقد أن واشنطن لا توافق على التدخل الروسي عكس ما يتردد.

لكن لربما يقال أيضا أن التدخل العسكري الروسي في سوريا لم يكن ليحدث لولا انشغال واشنطن في ملفات أخرى وإهمالها للملف السوري برغم كل المآسي التي يتعرض لها الشعب السوري وهذا يعتبر في حد ذاته موافقة ضمنية.. هل تتفق مع هذا الطرح؟

نعم هذا صحيح وخاصة إذا أخذنا في الاعتبار أيضا أن سياسة الولايات المتحدة في سوريا فاشلة بكل المقاييس، ولا حاجة للإضافة إلى ما قاله سفير الإدارة الأمريكية إلى سوريا السفير روبرت فورد بعد استقالته، حيث قال: "استقلت لأنني لم أعد أستطيع الدفاع عن موقف الإدارة لأنه موقف لا يتفق أخلاقياً مع القيم الأمريكية، ولا سياسياً على المدى البعيد لجهة تزايد عدد القتلى والشهداء، وتمدد الأزمة إلى مستوى إقليمي أكبر، وفي الوقت نفسه هو فشل أخلاقي في سوريا". وبالمناسبة، فمن رَكَّزَ على الفشل الأخلاقي للإدارة هي مندوبة الولايات المتحدة أيضا سامانثا باور المُقرَّبة من الرئيس أوباما والتي كتبت أهم الكتب في التاريخ الأمريكي عن المجازر (Genocides)، وعندما نستخرج المقاطع التي كتبتها ونُقارِن موقفها حالياً من الأزمة السورية نجد حجم التناقض حيث تقول في أحدث الكتب التي نشرتها في 2009، إن الموقف الأخلاقي يجب أن يَتقدَّم في السياسة الأمريكية عندما تُرتكَب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. لكن هذا الموقف يغيب تماماً حيال السياسة الأمريكية تجاه سوريا في الوقت الحالي".

هذا يجعلنى أسأل هل أوباما لا يريد التدخل سياسيا أو عسكرياً في سوريا تحديداً أو أنه يريد أن ينأى بنفسه وببلاده عن أي تدخل خارجي وتحديداً منطقة الشرق الأوسط؟

إدارة أوباما لديها يقين أن القوة العسكرية لا تحل الأزمات في منطقة الشرق الأوسط ، ولأنها تعاني من فائض في استخدام القوة العسكرية وبالتالي يجب أن نتجنب استخدامها ما أمكن، ونعتمد أسلوب الدبلوماسية والحوار ، بين الأطراف والفرقاء السياسيين .

وعلينا أن نعلم أيضا أن أوباما لم يكن لديه أي اهتمام سابق بالسياسة الخارجية حتى عندما كان عضواً في مجلس الشيوخ كانت زياراته إلى الخارج محدودة تماماً، وعندما تَرشَّح للانتخابات قام بزيارة إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية، وفي الوقت نفسه لم يكن يحتل أي موقع تنفيذي ولم يكن حاكماً لأي ولاية، وبالتالي انعكس هذا تماماً على تردده في اتخاذ القرارات الرئيسة، لذا فعلى مدى ولايتين اختار شخصيتين قويتين لإدارة السياسة الخارجية الأولى هيلاري كلينتون والثاني جون كيري. واختيار الشخصين كان لهدف رئيسي هو لأن يُعطي كليهما صلاحية إدارة السياسة الخارجية ولكن بالتأكيد يعود القرار النهائي إليه. ولذلك وجدت كلينتون وكيري موقفهما صعباً عندما لا يحصلان على دعم البيت الأبيض في ما يَتعلَّق بالقرارات النهائية التي يريدان اتخاذها. وجدنا ذلك في الأزمة السورية بشكل واضح عندما قررت كلينتون تسليح المعارضة السورية بالأسلحة النوعية ومساعدتها، وكان موقف أوباما معارضاً بشدة لهذا القرار وهو ما تَكرَّر تقريباً مع كيري في اجتماع لتقويم السياسة الأمريكية تجاه سوريا حيث كان موقف كيري يدعم توجيه ضربات جوية لإضعاف نظام الأسد وتشجيع المعارضة على التقدم عسكرياً على الأرض ولذلك أتى بمصطلح «Changed Calculation» أي تغيير حسابات الأسد على الأرض وهو ما جوبه بالرفض من جانب أوباما. وبالتالي لم تحصل كلتا الشخصيتين على رأس الدبلوماسية الأمريكية على الدعم اللازم في القرارات النهائية.

محددات الإدارة الأمريكية

يفهم من ذلك أن هناك تغييرًا في مُحدِّدات السياسة الأميركية فيما يَتعلَّق بالشرق الأوسط؟

كلنا يعرف طبعاً أن الولايات المتحدة ليس لديها تاريخ استعماري في المنطقة العربية وبالتالي يُفترَض أن يعطيها هذا أفضلية في طريقة صياغة علاقتها مع هذه المنطقة. لكن هذا الموقف تَغيَّر مع دعم الولايات المتحدة المُبكِّر لإسرائيل والذي غير تقريباً صورة الولايات المتحدة داخل المجتمعات العربية. إذاً بقيت مُحدِّدات السياسة الأميركية تقريباً هي نفسها وهي الحفاظ على الاستقرار في المنطقة وبشكل رئيسي ضمان إمدادات النفط من دون تغيير الأسعار، وأيضاً ضمان أمن إسرائيل وبشكل رئيسي مكافحة الإرهاب الذي أُضيفَ بعد 11 سبتمبر.

لذا فقد تأخّر الرئيس أوباما تقريباً ستة أشهر حتى طلب من بشار الأسد التنحي وأعلن أنه رئيس فقد شرعيته ولكن لم تتبع هذه الكلمات الإجراءات الضرورية من أجل تحويل هذه الأقوال إلى أفعال.

كما كانت هناك نافذة لتغيير هذه السياسة مع استخدام النظام الأسدي الأسلحة الكيماوية وهو ما اعتبره الرئيس أوباما خطاً أحمر، لكن الصفقة الغامضة التي تمت في 24 ساعة برعاية روسية من أجل تسليم نظام الأسد هذه الأسلحة ووقف الضربة العسكرية لم تفلح أيضاً في منعه من استخدام أسلحة أخرى مثل غاز الكلور السام الذي يترك أعراضاً شبيهة بالسلاح الكيماوي. لذلك نستطيع القول إنَّ الإدارة الأمريكية على رغم وعودها فيما يَتعلَّق بمساعدة السوريين في حقهم في تغيير نظامهم السياسي أو مساعدتهم على وقف هذه الأزمة الإنسانية فشلت فشلاً تاماً على المستويين الأخلاقي والسياسي.

انسحاب واشنطن

وهل الولايات المتحدة تريد الانسحاب من المنطقة وتركها لروسيا؟

بكل تأكيد هى تريد الانسحاب وهناك شواهد كثيرة على ذلك، أهمها هو عدم مساندة المملكة العربية السعودية في حربها في اليمن ودعمها مباشرة ، نعم هناك دعم لكن سياسي فقط وليس عسكريا، وهو ما أعطى لروسيا الفرصة لملء هذا الفراغ، من خلال تدخلها عسكرياً في سوريا.

هل تعتقد أن الروس سيحمون الأسد بحيث يحكم لفترة أطول تمتد لسنوات أو أن الروس من الممكن أن يقبلوا برحيله؟

التدخل الروسي في سوريا يهدف لعدة أشياء، أولها إرسال رسائل للعالم الغربي أن موسكو ستتدخل من أجل دعم حلفائها في أي مكان، وأنها مستعدة للتدخل خارج مجالها الحيوي مثل دول أوربا الشرقية، ودول الاتحاد السوفييتي السابقة، وأن روسيا لاعب دولي مهم، وفي منطقة الشرق الأوسط تحديدا بقوة ، والرسالة الأخرى طبعا للدول الإقليمية بأنها ملأت فراغ الولايات المتحدة، كما أنها رسالة للمعارضة السورية أنه يجب أن تتعاونوا معنا من أجل مكافحة الإرهاب فقط ونسيان كل المطالب الوطنية والإقليمية.

الاتفاق النووي

لننتقل إلى الاتفاق النووي الإيراني الغربي.. برأيك من الرابح فيه؟

إلى الآن الاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ، وهناك نقاش حاد داخل الولايات المتحدة بخصوصه، فالحزب الجمهوري يعارض الصفقة ولا يريد تمريرها بأي شكل من الأشكال، وفي المقابل فإن الإدارة الأمريكية تتمسك بحجة أن هذا الاتفاق يمنع إيران من الحصول على القنبلة النووية، ويخدم مصالح الولايات المتحدة ومصالح الدول الإقليمية أيضا .

أما على المستوى الشخصي فلديّ شكوك حول التزام إيران بالاتفاق، وهذه الشكوك من خلال تجارب سابقة لإيران، وخاصة أن النظام السياسي لطهران يعتبر هذا الاتفاق تكتيكيا من أجل الإفراج عن بعض الأموال المجمدة ثم بعدها تعتبر نفسها في حِلٍّ من هذا الاتفاق .

وبرغم أن نص الاتفاق قوي، فهناك إجراءات تفتيش قاسية تجعل كل البرنامج النووي الإيراني تحت رقابة صارمة، وهذا طبعا في ظل تطور التكنولوجيا الدولية تستطيع الولايات المتحدة أن تراقب البرنامج النووي من واشنطن وذلك عبر الأجهزة التى اشترط وضعها في المناطق المستهدفة، كذلك فإن أي انتهاك من قبل إيران لن يلزم الولايات المتحدة بالعودة لمجلس الأمن من أجل أي تحرك ضد طهران، وأعتقد أن هذا الأمر جعل الولايات المتحدة تتحمس إلى حد ما للحل السلمي مع إيران، وخاصة في ظل تراجعها الواضح عن استخدام العمل العسكري خارج حدودها.

وهل من الممكن أن يغير الاتفاق سياسة إيران في المنطقة؟

أعتقد لا . فالسياسة الإيرانية لن تتغير وستظل تدعم الأنظمة الاستبدادية في العراق وسوريا واليمن، والتى تنتهك حقوق مواطنيها وحقوق الإنسان بشكل عام.

لكن الولايات المتحدة تدعم إيران أو لِنَقُل تتغاضى عن أفعالها في مقابل محاربتها للإرهاب والتنظيمات الإسلامية السنية المتشددة في العراق وسوريا؟

هذا غير صحيح فالولايات المتحدة تدرك أهداف إيران الحقيقية، وهي تعلم أن هذه التحركات الإيرانية بعيدة عن أي اتفاق ، لكنها مع ذلك لا تريد استخدام مواردها الخاصة لفتح جبهة معها وخاصة في هذا التوقيت، وبعد الحرب المكلفة لها في العراق وأفغانستان، والتي كلفتها بلايين الدولارات بدون أي عائد أو فائدة ، لذا فهي تركز على وضعها الداخلي وبناء اقتصادها وتطوير مؤسساتها وتحسين القطاعين الصحي والاجتماعي.

هل تتفق مع مقولة أن أوباما رئيس ضعيف؟

هناك نوعان من الرؤساء للولايات المتحدة ، الأول يهتم بالشأن الخارجي ، والثاني يهمله ويهتم بالشأن الداخلي، والرئيس أوباما من النوع الثاني، وقد استطاع تحقيق طفرة هائلة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والضرائبي، وبالتالي فأعتقد أنه رئيس قوي وليس ضعيفاً، وخاصة أنه يعلم أنه لو ذهب إلى مشكلات خارجية فستكون المعارضة ضده أقوى بكثير من الآن .

ودائما كما تعلم أن كل رئيس أمريكي يأتي بسياسة مختلفة عن سابقه، فقد وجدنا ذلك في نيكسون الذى جاء بعد جونسون، وكذلك أوباما بعد بوش.

قلت إن أمريكا لم تدعم السعودية "الحليف الاستراتيجي" في اليمن عسكريا.. فكيف تُقَيّم العلاقات الأمريكية السعودية حاليا؟

الولايات المتحدة أدركت أن دول الخليج تعمل بشكل منسجم، ولديها موارد هائلة، وفي ظل تراجع واضح للجامعة العربية، فإن مجلس التعاون لديه سياسة واضحة دعَمها بالتدخل العسكري في اليمن عندما رأى أن مستقبل اليمن سيكون مثل سوريا وبالتالي تحرك بشكل منفرد.

والولايات المتحدة تدرك أن السعودية هي محور دول مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي فالعلاقات الثنائية ستحافظ على متانتها في ظل حرية الدول الإقليمية في التحرك لتحقيق مصالحها والحفاظ على أمنها وحماية حدودها.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق