مكتب غامض بمصر يرصد ويلاحق الصحافيين الأجانب

أخبار عربية الأربعاء 11-01-2017 الساعة 8:36 م

مصر واحدة من أكبر السجون للصحافيين
هاجر صكاح

أعضاؤه تدربوا في أمريكا على يد مؤسسة متخصصة

مصر تراجعت 30 درجة في التصنيف العالمي لمنظمة "مراسلون بلا حدود"

مراسلون أجانب: نظرية المؤامرة تلاحقنا وأمن الدولة يعتبرنا مصدر تهديد

تسلط الصحافة الغربية حالياً أضواء معتمة على تدهور وضعية حرية الصحافيين في مصر، تلخصها صحيفة لاتريبون الفرنسية بالقول "من عام 2011 إلى عام 2016، فقدت مصر ما يناهز الـ 30 مركزاً في التصنيف العالمي لمنظمة مراسلون بلا حدود، إذ تهوي مصر نزولاً إلى المركز 159، مقابل 127 زمن حسني مبارك. أصبحت مصر واحدة من أكبر السجون للصحفيين".

و تواصل مؤخرا صحيفة لكيبراس الفرنسية في نفس السياق بالقول "علمنا من مصدر رسمي أن الرئيس المصري الحالي قد شرَع قانونا لإنشاء مجلس متكون من أعضاء موظفين من طرفه للإشراف على مراقبة الصحافة".

الرموز الجديدة لقراءة الديمقراطية

شكاوى مستمرة:

ولكن، هناك سؤال بدأ يُطرح بجدية في الأوساط الغربية بعد سلسلة من المشاكل والإجراءات التي اتخذتها السلطات المصرية، وهو حسب تعبير صحيفة هيفنغ بوست "هل تضع الحكومة المصرية الصحافيين الأجانب وراء القضبان إن خالفت تقاريرهم توجهاتها؟" مشيرة "إلى تفاقم الأزمات بين المراسلين الأجانب في مصر والجهات الرسمية، على مدار السنوات الثلاث الماضية، دفعت بعضهم لسرد المشاكل التي يعانونها خلال تغطيتهم للأحداث في صحفهم بدلاً من نشر أخبار مصر، بينما فضل آخرون مغادرة مكاتبهم بالقاهرة".

وأضافت أن آخر الصحافيين الذين كتبوا بشأن مشاكل المراسل الأجنبي في مصر" كان "روجر ماكشين" رئيس مكتب مجلة الإيكونومست في القاهرة، الذي كتب مقالاً بعنوان: "مشكلة العلاقات العامة في مصر" نشره بمجلة تابعة لمؤسسة الإيكونومست، يعبر فيه عن استيائه من "سوء معاملة السلطات المصرية للصحفيين الأجانب".

مدير مكتب "الإيكونوميست" كتب مشيرا إلى أنه "يتم منعنا من تغطية الأحداث ويتم وصفنا بالانحياز، وبعد ذلك تتم دعوتنا لحضور أكبر الاحتفالات والمؤتمرات، والتي يتم منعنا خلالها من إعداد التقارير ويتم اتهامنا بالانحياز". وقال مراسل الصحيفة "كل الدول تسعى للسيطرة على وسائل الإعلام، ولكن في مصر التجربة تميل نحو اللامعقول"، مشدداً على أن "الأمور في مصر تميل إلى السخف"، حسب تعبيره.

إخوان مسلمون:

وأجرت منذ فترة صحيفة هفينغتون بوست اتصالات بعدد من المراسلين الأجانب في مصر لمنحهم فرصة سرد تجربتهم والمشاكل التي يتعرضون لها. وقالت أنه في أغسطس 2016، نشرت مجلة "الإيكونوميست" البريطانية، تحقيقاً تحت عنوان "تخريب مصر"، ردت عليه الخارجية المصرية في بيان على موقعها الرسمي بفيسبوك ، تحت عنوان «تخريب الإيكونوميست" اتهمت فيه المجلة بالعمل على "تقويض مصر".

وأضافت أن مقالا لهذه الصحيفة البريطانية قد أزعج الأوساط الرسمية في مصر بعد اتهامها الرئيس الحالي بعدم الكفاءة في إدارة مصر، بعد أن استنتجت الصحيفة الاقتصادية أفضلية "عدم ترشحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2018؛ لأن ذلك سيكون خطوة إيجابية". وقال مدير مكتب المجلة بالقاهرة في مقالة على هذه الواقعة قائلاً "إن مجرد نشر تقرير به آراء خبير اقتصادي ينتقد سياسة مصر الاقتصادية جعل الحكومة تتعامل معنا وكأننا نتعاون مع "الإخوان المسلمين" ضدها، واعتبر رد الخارجية نوعا من العقاب للمجلة".

تغطية الاحتفالات ميدانياً .. من التلفزيون الحكومي

وقدم مدير مكتب "الإيكونوميست"، مثالاً على ما قاله بشأن تغطية الاحتفالات، مستشهدا بافتتاح فرع قناة السويس الجديد، قائلا "تم اقتياد الصحفيين لخيمة مساحتها 100 متر وغلق الأبواب عليهم تحت حراسة الشرطة العسكرية، وتابعوا ما يجري من خلال التلفزيون الحكومي في الخيمة، مما جعلهم يشعرون أنهم في عداد المفقودين طوال فترة الاحتفال".

وتكرر الأمر نفسه في احتفالات وتجارب مماثلة مثل مؤتمر الاستثمار في شرم الشيخ، ومؤتمر التجارة الأفريقية في نفس المكان، إذ يقول ماكشين "سمح لي بمشاهدة بعض اللوحات في القاعة الرئيسية، ثم طردني حارس أمن الدولة الذي ينظر لنا كمصدر تهديد".

وأشار مدير مكتب الإيكونوميست إلى ما أسماه "غلبة نظريات المؤامرة التي تتهم جهات خارجية مثل إسرائيل وإيران وأميركا بالوقوف وراء مشاكل مصر"، و"الحط من قدر الصحافة الأجنبية باعتبارها امتداداً طبيعياً لهذه الجهات الخارجية"، والقيود التي يعانونها لو نشروا معلومات عن سيناء تخالف مع تعلنه الحكومة، وصدور قانون يسجن من ينشر عمداً "أخباراً أو بيانات غير صحيحة" تتعارض مع الخط الرسمي للدولة.

غادروا مصر

وتواصل الصحيفة بالقول "بدأت مصر تشدد حملة التضييق على الصحفيين الأجانب عقب نشرهم تقارير نقلاً عن بيانات من حسابات في سيناء على مواقع التواصل الاجتماعي تؤكد مقتل قرابة 60 – 100 جندي مصري خلال هجمات قام بها مسلحون في شهر يوليو 2015 في سيناء، بينما أعلنت السلطات مقتل 21 فقط، وأنها نجحت في إجهاض الهجوم .

وتبع هذا تشريع 5 مواد جديدة في "قانون الإرهاب"، تسجن الصحفي الذي ينشر بيانات ومعلومات تخالف المعلومات التي يعلنها الجيش والحكومة، بخلاف مواد أخرى تسجنه 5 سنوات لأسباب فضفاضة". وفي أعقاب صدور هذه القوانين غادر بعض المراسلين الأجانب مصر بسبب التضييق على أعمالهم منهم مراسل صحفي إسباني نصحته سفارته بالهرب قبل القبض عليه، عقب القبض على مصورين أجنبيين في موقع تفجير القنصلية الإيطالية بالقاهرة.

وقال ريكارد غونزاليس (36 عاماً) وهو مراسل «الباييس» في مصر منذ 2011 وكذلك صحيفة «لا ناسيون» الأرجنتينية، إنه غادر مصر بسبب "خطر الاعتقال المحدق". إلا أن المركز الصحفي للمراسلين الأجانب، بالقاهرة، قال في بيان له يوليو 2015، إن غونزاليس وصحيفته "لا يقدمون دليلاً" على تعرضه لأي مخاطر، وأكد أن "غونزاليس" كان حراً في ممارسة مهنته دون أي قيود" ومن دون التعرض "لأي مخاطر".

جنون العظمة

وفي أغسطس 2016 ، قالت مراسلة إذاعة "إن بي آر" الأميركية أنها غادرت مصر خوفاً، وكتبت المراسلة "ليلى فاضل" التي تحمل الجنسيتين اللبنانية والأميركية، في 26 أغسطس 2016 عبر حسابها على تويتر تقول: "أغادر القاهرة بعد أن مكثت هنا حوالي 6 سنوات، قطعت تذكرة ذهاب بلا عودة، سأفتقدكم".

وأجرت الإذاعة الأميركية: مقابلة إذاعية مع ليلى فاضل قالت فيها أن "من أسباب مغادرتها مصر "مناخ الخوف الذي تشعر به"، وتغير الأمور بشكل كبير عما كانت عليه عقب الربيع العربي، حيث زادت مساحة حرية التعبير آنذاك". وأضافت: "الأمور تغيرت الآن بشكل كبير، حرية التعبير التي كانت مزدهرة تختلف جداً عما يحدث حالياً، حيث أصبحت خائفة من الخروج بميكروفوني في شوارع القاهرة"، قائلة: "لم تعد هنالك خطوط حمراء وهناك حكومة ودولة تبدو مصابة بقدر هائل من جنون العظمة، ولا يمكن التنبوء بما يمكن أن تفعله".

أحدث وسائل المراقبة تلاحق الصحفيين الأجانب

فتحت الهيئة العامة للاستعلامات (هيئة حكومية مصرية) مكتباً جديداً لمراقبة الصحافة الأجنبية يحمل عنوان «Fact Check Egypt»، أو «مكتب التحقق من المعلومات بمصر، هدفه مراقبة التقارير الصحفية، والتأكد من طبيعة المصادر وصحة المعلومات المنشورة". بينما يرى مراقبون أن الهدف هو "الرقابة" على الصحافة الأجنبية التي تنتقد النظام الحالي بصورة كبيرة.

وذكر تقرير لـ«هافينغتون بوست»، الأميركية تحت عنوان "مصر تريد سجن الصحفيين الذين يخرجون عن الخط بتقنية معلومات تم التدرب عليها في أميركا، إذ تلقى العاملون به التدريب على يد مؤسسة أميركية". وأشارت إلى أن عدداً من الصحفيين والمراسلين الأجانب يتلقون رسائل بريدية إلكترونية تستفسر عن تقاريرهم، و"الرسائل تطالبهم بإضافة أو حذف معلومات في موضوعاتهم، لذلك ينتقد الصحفيون الأجانب هذا المكتب، ويصفه آخرون بأنه مكتب للرقابة، وأن هدفه هو سجن الصحفيين الأجانب، مثل المصريين كما حدث مع صحفيي الجزيرة الثلاثة.

وإن وزارة الخارجية زودت الصحفيين بقائمة بالأوصاف التي يجب أن يطلقوها على الجماعات الإرهابية، كما أقر الرئيس عبدالفتاح السيسي قانوناً بمعاقبة الصحفي الذي يعطي معلومات خاطئة تخالف ما تقوله السلطات بالسجن.

وتشير الصحيفة أخيرا الى "أن السفير صلاح عبدالصادق رئيس الهيئة العامة للاستعلامات نفى ما نشرته الصحيفة الأميركية بشأن أن الهيئة قد تتجه لمقاضاة الصحفيين ووسائل الإعلام الأجنبية التي تنشر معلومات وأرقاماً غير صحيحة عن الأوضاع في مصر.

وأوضح أن مجموعة من الصحفيين والباحثين المصريين بالتعاون مع عاملين في الهيئة العامة للاستعلامات بدأوا في إنشاء آلية تسمى «fact check Egypt» للتحقق من المعلومات التي تنشرها الصحافة الأجنبية عن مصر لتوضيح حقائق الأوضاع على الأرض فقط".

الصحفيون يختبئون تحت أقدام "أبو الهول"

ملايين الدولارات ضاعت في العلاقات العامة

بالرغم من ملايين الدولارات التي يتم دفعها من قبل الحكومة المصرية لشركات العلاقات العامة الأجنبية، فإن هذه الجهود يقوضها المسؤولون الذين يشككون دوماً في الصحافة". وكشف "ماكشين" أن مركز الصحافة، وهو مركز حكومي تابع لهيئة الاستعلامات مهمته إعطاء تصاريح تسمح للصحفيين الأجانب بحضور اللقاءات الرسمية، "لا يمكنه استصدار تصاريح لحضور الفعاليات التي يشارك فيها الرئيس السيسي". كما أن "الوزارات ترد على طلبات عقد مقابلات صحفية بعد أسابيع من نشر الأخبار، هذا لو ردت من الأساس!".

وأضافت الصحيفة أن مصر قد تعاقدت مع شركة "غلوبال بارك جروب" الأمريكية، منذ أكتوبر 2013 لتحسين صورة نظام السيسي وتعزيز علاقاته مع مسؤولين بالكونغرس ووسائل إعلام أمريكية بعد عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي، مقابل 250 ألف دولار شهرياً، أي ما يزيد على ثمانية آلاف دولار يومياً.

وتظهر الوثائق الرسمية أن مصر دفعت 5.2 ملايين دولار للشركة منذ عام 2013، وحتى مارس 2016، ما يعني وصول المبلغ المدفوع إلى أكثر من 6 ملايين حتى الآن. ووفقاً لمجلة "بوليتيكو" الرقمية، خفضت مصر الرسوم التي تدفعها لشركة الدعاية والاستشارات الأميركية جلوفر بارك غروب GPG من 250 ألف دولار شهرياً، إلى 166.667 ألف دولار. وتتعاون مصر مع شركات عالمية أخرى للعلاقات العامة، أبرزها شركة "بوديستا جروب للعلاقات العامة"Podesta Group الأميركية، وشركة الاتصالات متعددة الجنسية WPP المستقرة في بريطانيا.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق