المجاعة في الصومال.. معاناة قاسية وجهد دولي لاحتواء الأزمة

تقارير الأحد 30-04-2017 الساعة 1:47 م

يؤثر الجفاف على 6 ملايين من سكان الصومال
الدوحة – قنا

تتداعى على الصومال أزمات تلو الأخرى ويقسو عليها المناخ والظروف الاقتصادية والسياسية لتواجه واحدة من أصعب حالات المجاعة والجفاف والفاقة على مستوى العالم، وفي الوقت الذي تتسارع فيه الجهود العربية والإسلامية والدولية لانتشال الصومال من عثرتها الإنسانية فإن الموت يحصد أرواح المئات من الأطفال والعجائز بعد أن أنهكهم الجوع والعطش.

وتجتاح مناطق واسعة من الصومال موجات جفاف ومجاعة هي الثانية من نوعها خلال عام واحد بعد الموجة السابقة مطلع عام 2016 نتيجة تراكم عدة عوامل أهمها التغيرات المناخية التي أدت إلى انقطاع الأمطار على مدار 3 مواسم متتالية، بالإضافة إلى ضعف المؤسسات الحكومية التي عجزت عن توفير الإمدادات الغذائية والعلاجية الطارئة لمواجهة مثل هذه الكوارث الطبيعية، وتزداد الأمور صعوبة في ظل توقعات باستمرار حالات الجفاف لعدة شهور قادمة مع اتساع رقعتها الجغرافية.

مواجهة الجفاف ونقص الأغذية في الصومال

الأراضي التي ضربها الجفاف

وبحديث الأرقام، تقدر المنظمات الدولية والمحلية رقعة الأراضي التي ضربتها موجة الجفاف الأخيرة بالصومال بنحو 637 ألف كيلو متر مربع أي ما يقارب كامل أراضي الدولة المقدرة بنحو 637.657 ألف كيلو متر، وباتت حياة نصف سكان الصومال (10ملايين نسمة) من بينهم أكثر من 3 ملايين طفل مهددة بخطر الموت جوعا بسبب المجاعة، وبحسب تقرير للجنة الوطنية لمواجهة الجفاف ومقرها في مقديشو أصبح أكثر من 6 ملايين نسمة بحاجة ماسة إلى الغذاء والمياه كما تسببت المجاعة أيضا إلى نفوق أكثر من 70% من المواشي في البلاد.

وتفتقر المنظمات الإغاثية لقاعدة بيانات دقيقة حول إعداد من لقوا حتفهم جراء الجفاف ومسبباته إلا أن مصادر محلية بالعاصمة مقديشو تتحدث عن وفاة 1650 شخصا على الأقل معظمهم بوباء الكوليرا الذي انتشر في الأقاليم الجنوبية للبلاد.

مواجهة الجفاف ونقص الأغذية في الصومال

المعونات الإنسانية

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 6.2 مليون شخص سيعتمدون كليا على المعونات الإنسانية في حياتهم حتى شهر يونيو المقبل، وأن ما لا يقل عن 360 ألف طفل يعانون من نقص حاد في التغذية، 70 ألفا منهم مهددون بالموت فعليا ويحتاجون بصورة عاجلة إلى علاج طبي.

بدأت بوادر الأزمة في مطلع فبراير الماضي حين نضبت مياه نهر شبيلي الذي يمر بأراض واسعة من جنوب ووسط الصومال ويعد المورد المائي الذي يمدّ كل صور الحياة البشرية والنباتية والحيوانية في تلك المحافظات التي يحترف أهلها الزراعة والرعي.

وتوقعت الأمم المتحدة وقتها انزلاق الصومال سريعا نحو المجاعة بعد أن ترك الجفاف الذي لم تتم معالجة آثاره منذ الموجة السابقة في 2016 ملايين الناس بدون طعام ولا ماء أو حتى رعاية صحية في بلاد تعاني بفعل عقود من الحرب الأهلية.

وحذر منسق الشؤون الإنسانية في الصومال بيتر دو كليرك من وقوع كارثة إنسانية كتلك التي شهدها الصومال في عام 2011، والتي راح ضحيتها ربع مليون شخص وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الإعلان عن وجود مجاعة في منطقة القرن الأفريقي منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً.

مواجهة الجفاف ونقص الأغذية في الصومال

عمليات الإغاثة

برنامج الغذاء العالمي من جانبه أعلن في نهاية مارس الماضي عن حاجته إلى تمويل سريع بنحو 374 مليون دولار لعمليات الإغاثة والتمويل الإنساني وتوفير المساعدات الغذائية للسكان في مختلف المناطق التي ضربها الجفاف في الصومال حتى نهاية يوليو 2017.

وقالت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي إرثارين كازين: "إن المجاعة تلوح في الأفق لأن السلام الحقيقي وطرح فرص للتنمية والقيام بتحسينات كبيرة في البنية التحتية كلها أمور ضرورية لضمان الرعاية والرفاهية للشعب على المدى الطويل"، مشددة على أنه حين يتم الإعلان عن مجاعة، يكون عدد كبير من الناس الذين ستقتلهم تلك المجاعة قد ماتوا بالفعل.. مشيرة إلى أن تكلفة زيادة المساعدات الإنسانية من أجل تجنب حدوث المجاعة سيكون أقل كثيرا مما قد ينفق على مواجهة مجاعة كاملة ذات عواقب وخيمة، يمكن أن تؤدي إلى معاناة هائلة لسنوات عديدة.

وتحركت الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها مبكرا للفت أنظار العالم إلى أزمة المجاعة التي كانت تطل برأسها على الصوماليين، وحذرت قبل فترة طويلة من وقوع مجاعة حقيقة في الصومال خلال عام 2017 كما وزار الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريس، الصومال في مارس الماضي من أجل حشد المجتمع الدولي لإنقاذ الصوماليين من المجاعة.

يؤثر الجفاف على 6 ملايين من سكان الصومال

قرارات عاجلة

من جهتها حاولت الحكومة المركزية في الصومال التصدي لأزمة الجفاف الأخيرة وشرعت في اتخاذ قرارات عاجلة لمواجهة الأزمة واحتواء الأضرار الناتجة عنها، وأعلنت عن تشكيل "اللجنة الوطنية لمواجهة الجفاف" إلا أن حجم الكارثة التي كانت تتسع دائرتها بشكل سريع، وقلة الإمكانيات حالت دون تحقيق إنجازات كبيرة في هذا الإطار.

وتعمل تلك اللجنة بميزانية ضعيفة تقدر بحوالي مليون ونصف دولار تم جمعها من المواطنين الصوماليين في الداخل والمهجر وتسعى إلى جمع نحو 21 مليونا آخر لسد الفجوة التمويلية في عمليات إغاثة المتضررين في المحافظات الأشد تتضررا.

وتجتهد الحكومة الصومالية في خلق تنسيق أكبر فيما يتعلق بإيصال المساعدات إلى المتضررين وفقا لتجاربها السابقة في التعامل مع تلك الكوارث الطبيعية، بحيث يتم تزويد المتضررين من الجفاف بما يحتاجونه للغذاء والمياه مباشرة بدلا من الدعم المالي بالإضافة إلى تكثيف الاتصالات مع الدول المانحة من أجل تنفيذ مشاريع تنموية في الأقاليم الأكثر تعرضا للجفاف والمجاعة وخصوصا في قطاعات المياه، والزراعة، والصحة والعمل على دعم الحكومة الصومالية وتعزيز قدرات مؤسساتها المدنية لتكون قادرة على أداء واجباتها إزاء شعبها بأكمل وجه.

نقص الغذاء في الصومال

احتواء أزمة المجاعة

وفي خطوة جديدة على طريق الجهد الدولي المبذول لاحتواء أزمة المجاعة والجفاف في الصومال، تستضيف العاصمة البريطانية لندن يوم 11 مايو المقبل مؤتمرا دوليا حول الصومال بمشاركة رؤساء الدول والحكومات لشرق أفريقيا، والدول المانحة والداعمة، إلى جانب ممثلين عن المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة والعاملة في مجال التمويل والإغاثة.

ويهدف المؤتمر الذي تنظمه وزارة الخارجية البريطانية إلى مناقشة المسألة الصومالية عبر أربعة محاور أساسية بهدف ضمان التقدم الذي أحرزته على مدى السنوات الخمس الماضية منذ اجتماع لندن الخاص بالصومال عام 2012.

ويتصدر تلك المحاور الوضع الأمني بالبلاد حيث يناقش المؤتمر سبل تحسين الأمن لمنع عودة الصراع المفتوح في الصومال، الأمر الذي ينعكس على تمكين الإدارة هناك من التنمية السياسية والاقتصادية الأوسع نطاقا. وسيركز المؤتمر على الهيكل الأمني الصومالي بحيث تناقش الحكومة الفيدرالية مع بقية شركائها ما ينبغي أن يبدو عليه مستقبل الجيش الوطني الصومالي وكيفية مكافحة الإرهاب مع حماية حقوق الإنسان.

المحور الثاني يدور حول الإصلاح السياسي والحكم وذلك في شكل التزام من المجتمع الدولي للمساعدة في بناء دولة قوية، والعمل على إصلاحات دستورية تكون أكثر فعالية، ومعالجة مشاكل الاقتصاد وتقاسم الموارد، وتهيئة البيئة المناسبة للنمو.

ثالث تلك المحاور هو دعم الاقتصاد الصومالي بما ينعكس إيجابا على الاستقرار في البلاد. وسيضمن المؤتمر التزامات من الحكومة والقطاع الخاص الصومالي والمانحين الدوليين للعمل معا من أجل وضع مجموعة مركزة من أولويات الانتعاش الاقتصادي في السنوات المقبلة.

والمحور الرابع هو توقيع اتفاق شراكة جديدة بين المجتمع الدولي والصومال يحدد شروط الدعم الدولي للانتقال في الصومال إلى بلد أكثر سلاما وازدهارا بحلول عام 2020، بما في ذلك قضايا مثل الانتخابات والترتيبات الدستورية والتنمية الاقتصادية والالتزامات بمعالجة الفساد.

وكانت لندن قد استضافت المؤتمر الأول للصومال في عام 2012 مما ساهم في تأسيس حكومة اتحادية شرعية واستقرت بعدها قوات حفظ السلام التابعة لبعثة الاتحاد الأفريقي في أجزاء كبيرة من البلاد.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق