قصة التناقضات التي أفشلت مغامرتها العسكرية

كيف حاصرت السعودية نفسَها في اليمن؟

تقارير الجمعة 18-08-2017 الساعة 2:25 ص

مسلحون من مؤيدي الرئيس هادي في عدن
لندن ـ هاف بوست

لماذا فشلت السعودية في حسم الحرب في اليمن رغم القوة النيرانية الهائلة التي تمتلكها واستخدمتها خلال أكثر من عامين من القتال؟

السبب هو أن الرياض تريد تحقيق شرطين متناقضين تمامًا، لا يمكن الجمع بينهما، حسبما قال الكاتب السعودي أحمد صلاح الدين، في مقال نشر بموقع ميدل إيست آي البريطاني.

صلاح الدين شرح في المقال العوامل وراء فشل الإستراتيجية السعودية في اليمن، لافتًا كذلك للدور الإماراتي الذي أسهم في تعزيز النزعات الانفصالية في الجنوب، وأفقد معركة الشمال زخمها.

يقول الكاتب: "حينما بدأت عملية عاصفة الحزم، في مارس 2015، تعهَّد وزير الدفاع السعودي الشاب الأمير محمد بن سلمان لكل من استُدعي للمشاركة في العملية، بأنَّها ستكون سريعة ودقيقة كالعمليات الجراحية".

وبالفعل، كانت العملية "جراحية"، إذ استهدفت الحوثيين ومخازن أسلحتهم بمهارةٍ كبيرة في البداية، لكنَّها لم تكن أبداً سريعة. والآن، قبل أشهر قليلة من الذكرى السنوية الثالثة للعملية، يبدو أنَّ أسوأ مخاوف السعودية قد تحقَّق، فقد حُوصِرت في تضاريس اليمن السياسية والجغرافية الصعبة.

أخذت عاصفة الحزم الحوثيين على حين غِرَّة، وبعد زخم البداية والانتصارات المتوالية، فقدت قواتهم توازنها ودبَّت الخِلافات بينها. ومع ذلك، لم يكن هناك أحدٌ على الأرض -خصوصًا في العاصمة صنعاء- بمقدوره اغتنام الفرصة وشنّ هجومٍ ما.

الشرطان المتناقضان

منذ البداية وإلى الآن، تمثَّلت مشكلة السعودية في اليمن في أنَّها ألزمت نفسها بشرطين متناقضين لتحقيق نصرٍ إستراتيجي. فقد أرادت أن تهزم الحوثيين، لكن دون أن تُفيد منافسهم، حزب التجمُّع اليمني للإصلاح، حسب الكاتب السعودي.

في الواقع، كان يمكن للرياض أن تُنسِّق مع التجمُّع في بداية العملية ليقود انتفاضةً في صنعاء، والتي كان من شأنها أن تُحرِّر العاصمة من الحوثيين، لكنَّها اختارت ألا تفعل. وبالتالي ضاعت سريعًا الفرصة الأولى لكسب الحرب.

وفي ظل وجود هذين الشرطين، جعلت السعودية نجاحها أكثر صعوبة، إن لم يكن مستحيلًا، وأطالت أمد الحرب أيضًا. وإذًا، كي تخرج الرياض من المأزق الذي تعيشه حاليًا، يجب عليها إمَّا أن تُعدِّل أو تتخلَّى عن أحد هذين الشرطين.

مسلحون من مؤيدي الرئيس هادي في عدن

معادلة السلام

يمكن التوصُّل إلى اتفاق سلامٍ في اليمن، إذا ما اتفق أربعة فاعلين رئيسيين دون تهميش أيٍّ منهم، وفقًا لرؤية الكاتب.

أولهم الحوثيون، الذين يُسمُّون أنفسهم "أنصار الله"، وهم يُمثِّلون الأصولية الزيدية، التي ثارت ضد التهميش بعد سقوط الملكية في عام 1962. وفي العامين الماضيين، أصبح الحوثيون أكثر قوة وشعبية أيضًا، على الأقل في شمالي اليمن، بعدما استمالوا دعم رجال القبائل وقادة في الجيش كانوا قد قاتلوا ضدهم في الماضي.

والفاعل الثاني هو الرئيس السابق علي عبد الله صالح وحزبه السياسي، المؤتمر الشعبي العام، يُمثِّل صالح وحزبه النظام القديم، الذي يرفض التخلّي عن السلطة لأنه يخشى المحاسبة على ماضيه، وهم غير مستعدين كذلك للتخلي عن حصتهم من المكاسب.

بعد بدء العملية التي تقودها السعودية، اصطفَّ صالح وحزبه إلى جانب الحوثيين، لكنَّ علاقتهما علاقة انتهازية محضة وغير مستقرة. وتراهن الإمارات، شريكة السعودية في حرب اليمن، على أنَّ صالح سيفُضّ تحالفه مع الحوثيين في نهاية المطاف عبر نجله أحمد، الذي يعيش في أبو ظبي.

وبعد التطوُّرات الأخيرة في السعودية، التي جعلت الرياض وأبو ظبي أقرب إلى بعضهما البعض، ربما تلجأ السعودية لإعادة النظام العربي القديم، تمامًا كما فضَّلت الدولتان ودفعتا قُدُمًا في مصر، وهو الأمر الذي يُفكِّران فيه في سوريا ويحاربان من أجله بشراسةٍ في ليبيا.

الفاعل الثالث هو التجمُّع اليمني للإصلاح، الذي يجري ربطه في كثيرٍ من الأحيان بالإخوان المسلمين، ولديه كوادر شعبية كبيرة. شارك التجمُّع بنشاطٍ في ثورة الشباب عام 2011، ويمكنه في الحقيقة أن ينافس الحوثيين في شعبيتهم.

ومع ذلك، فإنَّ السعودية ترغب في إضعافه، بينما تحاربه أبو ظبي. بالتالي، وعلى عكس الشرط الذي وضعه السعوديون لأنفسهم في اليمن، سيبقى التجمُّع مستفيدًا حال هزيمة الحوثيين.

في الواقع، بعد أن اختارت الرياض عدم التنسيق مع الإصلاح لاستعادة صنعاء في عام 2015، وجَّهت ميليشيات الحوثيين وصالح غضبها إلى الإصلاح، واعتقلت المئات من أعضائه. ولذا وجد الإصلاح نفسه في أغرب وضعيةٍ ممكنة: مُضطهدًا في صنعاء، مُهمَّشًا في الرياض، وتحت ضغطٍ من أبو ظبي.

الفاعل الرابع المهم هم الجنوبيون، رغم أنَّهم قد يخرجون حتى من معادلة السلطة حين يتم التوصُّل إلى اتفاق سلام، وذلك لأنَّ ساحة المعركة الحقيقية التي تُهدِّد أمن السعودية هي فقط شمالي اليمن. ومع ذلك، فإنَّهم متشابكون في الوقت نفسه سياسيًا ودستوريًا مع الأزمة اليمنية برمتها، ولا يزالون في حالة فوضى وتنافس بسبب السياسة الإماراتية المُربِكة هناك.

السياسة الإماراتية لا تُشجِّع فقط انفصال الجنوب عن الشمال، لكنَّها أيضًا تحاول توحيده بدعم الميليشيات المحلية المتنافِسة. ويرغب الإماراتيون أيضًا في محو أي أثرٍ للإسلام السياسي في الجنوب، لكنَّهم في الوقت نفسه يدعمون المُتشدِّدين السلفيين هناك.

ونتيجةً لذلك، فإنَّ جنوبي اليمن، الذي كان يمكن أن يصبح مثالًا جيدًا على تقاسم السلطة بالنسبة لباقي البلاد، سقط في الفوضى، ورغم تحريره من سيطرة الحوثيين قبل أكثر من عامين، لم يتمكن جنوبي اليمن بعد من إدارة أموره بنجاح.

لماذا أضاعت السعودية فرصة تحرير تعز؟

جاءت الفرصة الثانية لتسوية الحرب بعد أربعة شهور من بدايتها، حين نجح الجيش اليمني والمقاومة في تحرير عدن، في يوليو 2015. لعبت القوات الإماراتية دورًا مهمًا في تلك المعركة. إذ تقدَّمت نحو تعز، التي تبعد فقط 150 كيلومترًا، وعملت على رفع الروح المعنوية هناك، ثُمَّ طردت المقاومة المحلية صالح والحوثيين من مركز المدينة، وحرَّرت القصر الرئاسي.

وفجأة، أُفيد بأنَّ القوات اليمنية والتحالف توقفا عند ما يُشار إليه بـ"خط التسعين"، وهي النقطة التي تُمثِّل الحدود القديمة بين اليمن الجنوبي والشمالي، قبل أن يتوحَّد الشطران عام 1990.

بعث التوقُّف المفاجئ برسائل مُربِكة للمقاومة في تعز والحوثيين في صنعاء. يتساءل الكاتب: هل كان التقسيم أحد أهداف الحرب؟ ولماذا لم تستفد القوات اليمنية، والإماراتية، والسعودية من زخم الانتصار في عدن وتتحرَّك صوب تعز لتحريرها تمامًا؟

تكمن الإجابة من وجهة نظر الكاتب في الشرط الإستراتيجي السعودي، المتمثِّل في هزيمة الحوثيين، لكن دون السماح للإصلاح بالاستفادة من ذلك.

فتعز هي ثاني أكبر مدينة في اليمن، ويوجد الإصلاح في كل مكانٍ هناك، ويقود المقاومة في المنطقة. ولو كان السعوديون أو القوات الأخرى قد حرَّروا المدينة، كان ذلك سيضع الإصلاح في موقفٍ قوي.

لكن قد يكون هناك سببٌ آخر لتوقُّف القوات فجأةً عند تعز، وهو أنَّه، في المستقبل، قد تصبح تعز مكانًا آمنًا للحكومة اليمنية المنفية الموجودة الآن في الرياض، بعيدًا عن عدن التي تخضع لسيطرة الإماراتيين وحلفائهم الانفصاليين.

سيتحرك قادة الإصلاح كذلك إلى حيث يمكنهم تنشيط أنفسهم وإحيائها مرةً أخرى. وبطبيعة الحال، لم يحدث شيء بعد مرور عامين، ولا تزال مدينة تعز تحت الحصار، محرومةً من الأسلحة والإمدادات التي عادةً ما تكون في المتناول بكل سهولة.

يقول الكاتب أحمد صلاح الدين، أطالت هذه الحالة الغريبة الحرب، وتسببت في استمرار معاناة اليمنيين، وفرضت كذلك مزيدًا من الضغوط على السعوديين الذين صاروا مضطرين الآن للدفاع عن الأسباب الأخلاقية وراء استمرار الحرب أمام عواصم الدول الأخرى ومنظمات حقوق الإنسان. بالإضافة إلى أنَّها عززت عناد الحوثيين وصالح بسبب عداوتهما مع الإصلاح.

الحل السعودي الجديد؟

ويرى الكاتب أن الصداقات قد تتغير وفقًا لقاعدة "عدو عدوي صديقي". وقد تكون الرياض مقتنعة، بفضل أبو ظبي، بأنَّ الحوثيين وصالح أفضل بالنسبة لها من يمنٍ تعدُّدي ديمقراطي يضم الإصلاح.

وكما تُغيِّر الرياض موقفها في سوريا حاليًا، وتقترب أكثر وأكثر من معسكر القاهرة وموسكو، وهو المعسكر الذي يضم طهران، كذلك للسخرية الشديدة قد تُغيِّر المملكة العربية السعودية موقفها في اليمن أيضًا.

وحينئذٍ فقط، قد تصبح المعادلة السعودية المُبهمة قابلةً للحل وفقًا للتعديلات الآتية: السماح للحوثيين بالانتصار، والقضاء على الإصلاح، وعدم الاكتراث باستقرار اليمن وأمن المملكة العربية السعودية على المدى الطويل.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق