رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الفرق بين الناجح وغير الناجح في هذه الحياة، يتلخص في كيفية إدارة الشخص لحياته، فالحياة مثلها مثل العمل، نستطيع أن نتحكم بها ونسيطر عليها إذا استطعنا أن نديرها بشكل جيد.
وإدارة الحياة تأتي عن طريق إدارة الانفعال، وإدارة الغضب، وعدد من المهارات التي تساعد الإنسان على فهم نفسه ومن حوله من الناس.
فالحياة نكتة كبيرة لمن أرادها كذلك؛ أو معقدة ومتعبة لمن أرادها كذلك أيضا، وأنا أعتبرها مجموعة افتراضات تقررها أنت أيها الإنسان ولا أحد يفرضها عليك.
قد يبدو غريبا أن أقول لكم بأني لا أؤمن بفكرة النجاح في الحياة، لأنني لو تنافست مع آخر وفزت عليه بمنصب معين فهذا سيعتبر نجاحا بالمعنى الشائع، ولكن إذا تنافست معه وفزت بذلك المنصب وأنا أعرف أنه أولى مني بهذا المنصب فهذا سيكون نجاحا لكنه ليس فلاحا، وأنا أقصد بالفلاح ما هو مطلوب حتى في المجتمعات غير المسلمة، فلو تنافست مع غيري وتنازلت لمصلحة وطني وغيري من الناس الأكثر كفاءة مني فهذا هو الفلاح وهو أرقى من النجاح بعدة مراحل، ومن هنا جاءت الأطروحة الدينية والتعاليم القرآنية، فقد ذكر في القرآن مفهوم الفلاح ولم يذكر مفهوم النجاح، لأن الفلاح أهم وأرقى في خدمة أنفسنا ومجتمعاتنا وحياتنا، (قد أفلح من زكاها).
تتحكم المشاعر بالإنسان أحيانا، فتقلبه ظهرا لبطن، وقد تجعل فوضى المشاعر إدارته لنفسه أقل، وقد يفشل البعض بسبب المحاكاة للآخرين في طريقة إدارتهم لحياتهم، ولا بأس من الاقتداء جزئيا، لكن الاستنساخ الكربوني لنفس طرق الآخرين وتقليدهم بشكل أعمى يؤدي إلى هدر شخصية الإنسان الأصلية، فلذا لابد أن يعرف الإنسان ملكاته إلى أقصى حد، ثم ينطلق مما يملك ويتعلم من الآخرين.
(نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ) وربما نتذكر قصة الأرنب والسلحفاة لأنه أضاع الوقت الذي استفادت منه السلحفاة وفازت رغم أن إمكاناتها أقل بكثير من إمكانات الأرنب.
إن إدارة الحياة تعتمد بشكل كبير على أن اختار هدف شخصيا معينا، وأسير باتجاهه وأتدرب على كل المهارات الحياتية التي تعينني على تحقيقه، وأختار قدوة لي كل أسبوع مثلا، فأختار إنسانا فالحا، وأحاول أن أنتهج نهجهه، مع ما أملك من قدرات، وأن لا أغفل وأنا أتقدم في هذا الطريق حاجتي الملحة إلى الإعداد، إشكاليتنا أننا نتجه إلى إدارة الحياة قبل أن ندير العجلة التي يجب أن نركب عليها هذه الإدارة.
وحتى نقوم بتنمية مهارات الإدارة يجب علينا أن نضع الأطر العامة التي تساعدنا على ذلك وهي:
- تقدير الذات، باعتباره الركيزة الأساسية التي نبني عليها، فإذا كنت أقدر ذاتي وأحترمها لابد أن أسعى دائما إلى البحث عن أفضل الوسائل التي تساعد على رقيها.
- بناء الثقة بالنفس، فالإنسان الذي لا يثق بنفسه لا يستطيع إدارتها.
- تنمية الوعي الذاتي وأن أعرف ماهي حقوقي وواجباتي داخل أسرتي وعملي.
- تقييم الذات، فهل أنا قادرٌ على تقييم ذاتي فضلا عن تقديرها؟ ولا بأس أن أجد من يعلمني ذلك، وإذا لم أستطع ربما ألجأ إلى مقاييس نفسية تحدد قدراتي وتقييمي لنفسي.
وهنا ندخل إلى تحقيق شيء من الدراية الحقيقة لذواتنا، فأعرف قدراتي وميولي واهتماماتي، إن الأزمة أن البعض ينطلق من ميول غيره ولا يستطيع النجاح بذلك طبعا، وإنما كان الواجب أن تحدد ميولك أنت لا ميول غيرك وتحتاج بعد ذلك إلى المرونة والثبات، والثبات لا يعني الجمود بالطبع.
- على الإنسان أن يدرك أيضا أنه عندما يسعى لتصغير غيره أو تقزيمه فهو يؤذي نفسه أولا وإنما كان الأفضل أن ينشغل كيف يرفع الناس ويرتفع معهم.
- نحن نحتاج إلى إدارة الحياة حتى نكون مرتاحين فالهدف من الحياة أن تحقق أعلى درجات الراحة، لا أن نكون ناجحين فقط.
- لا تتعامل مع أخطائك بلغة الجلاد، وإنما أبحث عن سبب الأخطاء فالقدرة على إدارة العلاقات الاجتماعية تنطلق من شخصيتك وإدارة شخصيات الناس، وعدد من المهارات التي يتعلمها الإنسان قبل إدارته لحياته مثل إدارة ضبط الانفعال، وإدارة الأزمات ـ وهذه الإدارة لها منهج يختلف عن إدارة الضغوط أو المشاكل.
- إدارة الحياة لا تنحصر في السيطرة على الحياة، وإنما كيف تتلذذ بالحياة وكيف تستمتع وتُمتع غيرك فالسيطرة ليست من إدارة الحياة في شيء.
- أدر حياتك وكأنك تدير فريقا كاملا، وبما أنك المدرب اجعل لاعبيك يحققوا أعلى نسبة من الأهداف بطريقة استرخائية، فالحياة لغز يحتاج إلى الذكاء العملي حتى نخرج منها بلذة وفائدة.
هذه لمسات نفسية في إدارة الحياة، نستطيع تحقيقها، يسبقها قرار جاد، فكل الناس لديهم الرغبة في إدارة الحياة ولكن من هو المستعد فعلا لذلك.
لقد سافرت مرة إلى لندن ستة أشهرة لأتعلم مهارة واحدة فقط، هي مهارة فن إدارة الضغوط، لن ينال أي إنسان شيئا في الدنيا والآخرة مالم يبذل الجهد المطلوب وما أسهله من مجهود لو أننا قررنا ذلك.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2901
| 01 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
1647
| 04 مارس 2026
المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر ما هو محرج. الجدة تجلس بفرحة تنتظر أحفادها. يدخل الطفل، بملامحه الخليجية السمراء وعينيه الواسعتين. تسأله الجدة بلهفة وحنان: "شلونك يا وليدي؟ بشرني عن دراستك؟". ينظر الطفل إليها بجمود، ثم يلتفت لأمه سائلاً بلسان أعوج: "Mom, what is she saying?". فتتدخل الأم، وهي تضحك بخجل لتغطي الموقف، لتقوم بدور "المترجم" بين حفيد وجدته، وكأننا في اجتماع للأمم المتحدة، لا في صالة منزل خليجي! دعونا نضع هذا المشهد تحت مجهر "الثقافة والهوية" لنفهم أين الخلل. هل الخلل في أن الطفل يتقن الإنجليزية؟ قطعاً لا. فإتقان اللغات الأجنبية هو من أقوى أدوات "الثقافة المعاصرة"، وهو سلاح ضروري لتأمين مستقبله الوظيفي والعلمي في سوق عمل عالمي. وسعي الآباء لإدخال أبنائهم مدارس دولية هو سعي محمود لـ "جودة التعليم". إذن، أين الكارثة؟ الكارثة ليست في "كسب" لغة جديدة (وهذا تطور)، بل في "خسارة" اللغة الأم (وهذا طمس للهوية). نحن لا نربي جيلاً "عالمياً" كما نوهم أنفسنا، بل نربي "أجانب" بملامح خليجية، لأننا سمحنا لـ "الأداة" (الإنجليزية) أن تأكل "الأصل" (العربية).. اللغة ليست مجرد كلمات تترجم. اللغة هي "وعاء القيم". عندما يفقد طفلك اللغة العربية، هو لا يفقد "المفردات" فقط، بل يفقد "الشفرة الهوياتية" التي تربطه بمجتمعه وبدينه. كيف ستشرح له معنى "السنع" بالإنجليزية؟ كيف سيفهم معنى "المروءة"، و"الحشمة"، و"الفزعة"، و"صلة الرحم"؟ هذه مفاهيم ليس لها مرادف حقيقي في قواميس الغرب، لأنها نبتت من أرضنا وديننا. عندما يقول "Hi" بدلاً من "السلام عليكم"، هو لا يغير كلمة بكلمة، بل يستبدل "دعاءً بالسلام والرحمة" (قيمة) بـ "تحية عابرة" (عادة). الطفل الذي يكبر ولسانه "مكسّر"، ينشأ وفي داخله "كسر" في الهوية. يشعر بالغربة في مجالس الرجال لأنه لا يفهم نكاتهم ولا أمثالهم. يشعر بالملل عند سماع القرآن لأنه لا يتذوق بلاغته. يتحول تدريجياً إلى "سائح" في بلده؛ شكله منا، لكن عقله وروحه معلقة بثقافة أخرى. المعادلة الذهبية: لسانان لوظيفتين نحن لا ندعو - حاشا لله- للانغلاق. الإنجليزية اليوم هي "لغة العلم والعمل" (ثقافة)، ومن الضروري إتقانها كـ "مهارة" (Skill). ولكن العربية هي "لغة الوجود والانتماء" (هوية)، ومن الواجب الحفاظ عليها كـ "روح" (Soul). الخطر هو أن تتحول الإنجليزية من "لغة عمل" إلى "لغة أم" داخل البيت. أيها الآباء والأمهات.. "المدارس" ستعلمهم الإنجليزية والعلوم، هذه مهمتها (الثقافية)... لكن "العربية" و"الدين" و"السنع" هي مهمتكم أنتم، وهي مسؤوليتكم الحصرية التي لا تقبل التفويض (الهوياتية).. لا تقطعوا "الحبل السري" الذي يربط أطفالكم بتاريخهم. تحدثوا معهم بالعربية في البيت. اقرأوا لهم قصص الأنبياء. اجعلوهم يحفظون الشعر. لا تجعلوا طفلكم يحتاج إلى "مترجم" ليفهم دعوات جدته له، فتلك الدعوات هي أغلى ما سيحمله معه في رحلة الحياة. فاللغات يمكن تعلمها في أي عمر كـ "مهارة"، لكن "الانتماء" إذا كُسر في الصغر.. لا يجبره شيء في الكبر......
1044
| 04 مارس 2026