رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتشرت في الآونة الأخيرة في دولة قطر دعوة باطنية تعتمد السرية في نشر دعوتها وعدم الإفصاح عن افكارها وعقائدها، لا يمكنك الالتفات لها مبكرا، لأن بداياتها طبيعية جدا كأي دعوة دينية بلا شك تعتمد القرآن الكريم حفظا وتلاوة وتستميل الفتيات وفقا لذلك، ولكنها تستدرج اتباعها شيئا فشيئا الى البدع والضلالات، هذه الدعوة انشئت لها بعض الدور في قطر لم يتم التنبه لها او الوقوف أمامها ومن ثم انطلقت في الندوات الأخرى، فالحركة تستخدم معايير اجتماعية فتستميل قلوب الشخصيات ذات الثراء والمناصب والنفوذ والذكاء في المجتمع ليسهل انتشارها كـ "قوة ناعمة " دون جهد.
وهي حركة نسائية دينية تسمى "القبيسات" نسبة الى "منيرة القبيسي" مؤسستها، وهي سيدة سورية نشرت مذهب الصوفية على الطريقة النقشبندية — احدى طرق الصوفية — في سوريا، وتأسست لها جمعيات شتى منها "الطباعيات في الأردن، و"السحريّات" في لبنان و"بنات البيادر" في الكويت وانتشرت في العراق وفلسطين ودول الخليج امتدادا شيئا فشيئا، واستطعن انشاء الجمعيات الخيرية والمؤسسات التعليمية والتربوية وتحقيق انتشار واسع ولافت خصوصا في المدارس والجامعات.
ومن يسمين فيها الآنسات أو الشيخات او المريدات يمارسن هذه الدعوة في الخفاء ويظهرن ما لا يبطن اي يستخدمن عقيدة "التقية"، ولها عقائد وافكار وسلوكيات خاصة للإسلام.
إن ما يبعث على الريبة في مثل هذه الدعوة هو سريتها وانعزاليتها وانتقائيتها وانتشار ونشر عدد من البدع والضلالات من خلالها وسأوردها لتنبيه المجتمع لخطورتها العقدية على النحو التالي..
أولا- سريتها:
هو انك ايتها المرأة الأم أو الأخت أو ولية الأمر الناضجة عمرا، إذا اردت مرافقة بناتك أو اخواتك الصغار سنا الى ندوات هذه الدعوات التي انتشرت في قطر مؤخرا لا تستطعين مباشرة مثلها مثل اي ندوة دينية، بل لا يتأتي لك ذلك إلا بعد طلب موافقة الأستاذة الداعية التي تشترط ذلك. بل ان اي عضو جديد ايضا من الفتيات لا يمكنه الانخراط في الندوة الا بعد الاستئذان، وسيتبين لك ان تلك الاستاذة تنتمي الى شيخة اكبر في اتباع ومريدين، وما هؤلاء الآنسات الجدد في الدعوة الا ضحايا سالفات للمريدات وللشيخة الكبيرة.
وإننا جميعا نعجب: هل في حضور وليات الأمور مع صغيراتهم ندوات الذكر وحلقات القرآن استئذان؟ وما الذي يخفيه هذا التنظيم السري اذا كان حقا دعوة دين حق؟
السرّية تدخل التشكك في المنهج العقدي لهذه الدعوة التي تريد التسلل للمجتمع والدخول من النوافذ لا الأبواب.. خصوصا وأن القاعدة الشرعية في الدعوة تعتمد الوضوح والصراحة وفتح الأبواب ولنا في الندوات الدينية وخطب ودروس المساجد خير عبرة.
ثانيا- انتقائيتها:
ما يبعث الريبة ايضا الى جانب سرية ممارسة الدعوة، الانتقائية في فئة الجمهور، النساء جنسا والبنات والمراهقات من بنات الذوات والنفوذ والوجهاء والاعيان والتجار. ولعل البعض يعجب لماذ تستقطب الدعوة النساء جنسا بالتحديد؟
ولهم نجيب بما قاله الشاعر حافظ ابراهيم:
من لي بتربية النساء فإنها في الشرق علة ذلك الإخفاق
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق
الأم أستاذ الأساتذة الألى شغلت مآثرهم مدى الآفاق
أعني بإيراد هذه الأبيات، عظم دور الأم المنوط بها مستقبلا في اي موقف واي دعوة واي تربية،
ولأن المراهقة والفتاة الشابة الأداة الطيعة الآن والأسهل في التأثر، ستكون تباعا هي أم المستقبل التي يتتلمذ على يدها أجيال لن تتعب الدعوة في تتبعهم بعد تشربها وحذقها للدعوة، التي ستصبح لها ولابنائها، ذكورا وإناثا، اسلوب حياة وتربية وعقيدة ومنهجا، لذلك فهي لم تدعُ لها فردا بل صنعت لها في كل مجتمع مدارس مستقبلية لمصنع عقدي جديد "للتصوف" دون تعب بين الرجال والنساء.
البدع والضلالات:
يتخلل الدعوة عدد من البدع ومنها على سبيل المثال لا الحصر حيث لا يتسع لها مقال واحد:
— تتكرر في الأقوال وكتب الشيخات الاعتقاد بوحدة الوجود، وهي عقيدة صوفية فاسدة تعتقد ان الله والعالم شيء واحد، وأن لا فرق بين الخالق والمخلوق. وفي ذلك مؤلف اسمه: "المتاح في الموالد والأناشيد الملاح" يؤيد هذا الاعتقاد.
— تنتشر الصلاة النارية بأعداد خاصة وسرعة مذهلة وفي أوقات خاصة بقراءة ادعية خاصة في جلسات جماعية أو فردية لجلب مصلحة ما او دفع مضرة ما.
— تقديس الشيخة وعدم مناقشتها واعتبار امرها مطاعا، ورجوع الاستاذة المتبنيّة للدعوة في اي دولة وأي قطر لشيختها الكبيرة وتقديم طاعتها على طاعة الزوج او الأب او ولي الأمر. وقد بحثت في الانترنت فوجدت في المنتديات فضحا لبطلان هذه العقيدة وورود عدد كبير من الشكاوى من الازواج على تتبع زوجاتهم هذا التصرف وتسببهن في طلاقهم من زوجاتهم.
— المواظبة على اذكار معينة وصلوات محددة مبتدعة مثل صلاة التسابيح وصلاة الأوابين، وصلاة الظلمة.
— جلسة الإشراق وقراءة البقرة يوميا قراءة سريعة متمتمة دون تدبر.
— سجود الشكر الجماعي أو الختم الجماعي بنية معينة، والتسابيح الجماعية، مثل التسبيح سبعين الف مرة أو مسك السبحة والقلب في آن واحد واستحضار الشيخة الكبيرة عند ذلك حتى يمتد النور لهن منها مباشرة.
— إيراد عدد من الاحاديث بسند ضعيف او ليست هي بأحاديث وقراءة "الأوراد" وترديدها في اوقات معينة وبطريقة معينة، وهذه من لوازم الطرق الصوفية فلا طريقة بغير ورد تتميز به، لذلك شاع لديهم "الطريقة بأورادها" وهذا مخالف لما عليه الشرع واهل العلم الثقات.
— إيراد اوراد محددة بذاتها بعد الصلاة مثل "مالها من دون الله كاشفة" 100 مرة و"سلام قولا من رب رحيم" 100 مرة.
— التبرك بالاستاذة أو الآنسة والتقاتل على الشرب بعدها او تقبيل رأسها او الجلوس عند رجليها، وقراءة سورة البقرة بنيتها للآنسة.
— زيارة القبور وتقديس الأضرحة.
— الدعوة للطواف حول الكعبة 47 شوطا.
— كشف اسرار البيوت للمربية او الآنسة بحجة انها تساعد في اخذ يد الفتاة الى الله.
— التشكيك في السنة النبوية المحمدية واستخدام نعت الوهابية والاشارة بنعت كثير من مشايخ الأمة بها وكأنه سبّة.
— اعتمادهن على كتب مريبة أو مبتدعة مثل تداولهن كتاب يسمى "مزامير داود" وهذا الكتاب ليس عليه اسم من ألّفه؛ وإنما منيرة قبيسي وجماعتها لفقنه من مصادر شّتى وزدن فيه من عندهن مثل قولهنّ: "شيختنا معنا أينما كنّا لا تضيعنا" ؛ وليس عليه اسم مطبعة من المطابع، او الاستعانة بكتاب في افقه وطلب عدم كشفه على احد..
او كتبهن مثل "نجوم في فلك النبوة" للطباعيات وبه ما به من احاديث ضعيفة.
— تأليف أناشيد على نفس لحن الأغاني او اناشيد مع الطار ترنما بسيرة المصطفى.
إن هذه الحركة الغريبة على مجتمعنا والدعوة المضللة تستدعي التنبه لها من قبل اولياء الامور والمراكز التربوية والتعليمية ووزارة الاوقاف والجهات المعنية في الدولة.
وفي ذلك تجدر التوعية بأنه قد صدرت فيها فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ردا على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من مستفتٍ من الكويت والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (11 — 16) وتاريخ (18 /5 /1414).
وقد سأل المستفتي سؤالاً هذا نصه:
(بشأن جماعة من النساء في الكويت يقمن بنشر الدعوة الصوفية على الطريقة النقشبندية، وهن يعملن تحت إطار رسمي "جمعية نسائية" ولكنهن يمارسن هذه الدعوة في الخفاء ويظهرن ما لا يبطن. وقد حصل أن اطلعنا على كتاباتهن وبعض كتبهن واعتراف بعضهن ممن كن في هذا التنظيم. وذلك يتمثل بعضه بالآتي:
يقولون من لا شيخ له فشيخه الشيطان، ومن لم ينفعه أدب المربي لم ينفعه كتاب ولا سنة، ومن قال لشيخ لم، لم يفلح أبدا، ويقولون بالوصل بعملية الذكر الصوفي مستحضرين صورة شيختهن أثناء الذكر، ويقبلون يد شيختهن التي يطلقون عليها لقب الآنسة وهي من بلد عربي من خارج الجزيرة، ويتبركن بشرب ما تبقى في إنائها من الماء، ومن كتاباتهن لأدعية خاصة، وأني وجدتها بعد ذلك مقتبسة من كتاب اللؤلؤ والمرجان في تسخير ملوك الجان، ويقومون بتأسيس المدارس الخاصة بهن لاحتواء الأطفال على طريقتهن، ويعملن في مجال التدريس مما يعيطهن مجالا لنشر هذه الدعوة في صفوف بنات المدارس الحكومية المتوسطة والثانوية.
وقد فارقت بعض من هؤلاء النسوة أزواجهن وطلبوا الطلاق عن طريق المحاكم عندما أمرهن هؤلاء الأزواج بالابتعاد عن هذا الطريق الضال.
وكان السؤال:
- ما هو الحكم الشرعي في عقيدة هؤلاء النسوة مع إصرارهن على هذه الطريق؟
وبعد دراسة اللجنة له أجابت بهذه الفتوى المهم نشرها في المجتمعات الاسلامية:
"الطرق الصوفية، ومنها النقشبندية، كلها طرق مبتدعة مخالفة للكتاب والسنة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إياكم ومحدثات الأمر، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
بل إن الطرق الصوفية لم تقتصر على كونها بدعة مع ما في البدعة من الضلال، ولكن داخلها كثير من الشرك الأكبر، وذلك بالغلو في مشايخ الطرق والاستغاثة بهم من دون الله، واعتقاد أن لهم تصرفاً في الكون، وقبول أقوالهم من غير نظر فيها، وعرضها على الكتاب والسنة.
ومن ذلك ما ورد في السؤال من قولهم: من لا شيخ له فشيخه الشيطان. ومن لم ينفعه أدب المربي لم ينفعه كتاب ولا سنة، ومن قال لشيخ لم، لم يفلح أبدا.
وهذه كلها أقوال باطلة مخالفة للكتاب والسنة، لأن الذي يقبل قوله مطلقاً بدون مناقشة ولا معارضة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقول الله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وقوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).
أما غيره من البشر مهما بلغ من العلم، فإنه لا يقبل قوله إلا إذا وافق الكتاب والسنة، ومن زعم أن أحداً تجب طاعته بعينه مطلقاً غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ارتد عن الإسلام، وذلك لقوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون).
وقد فسر العلماء هذه الآية بأن معنى اتخاذهم أرباباً من دون الله:
طاعتهم في تحليل الحرام، وتحريم الحلال، كما روى ذلك في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، فالواجب الحذر من الصوفية رجالاً ونساءً، ومن توليتهم التدريس والتربية، ودخولهم في الجمعيات النسائية وغيرها لئلا يفسدوا عقائد المسلمين.
والواجب على الرجل منع موليته من الدخول في تلك الجمعيات أو المدارس التي يتولاها الصوفية أو يدرسون فيها حفاظاً على عقائدهن، وحفاظاً على الأسر من التفكك وإفساد الزوجات على أزواجهن.
ومن اعتنق مذهب الصوفية فقد فارق أهل السنة والجماعة، وإذا اعتقد في شيوخ الصوفية أنهم يمنحون البركة، أو ينفعون أو يضرون فيما لا يقدر عليه إلا الله من شفاء الأمراض وجلب الأرزاق، ودفع الأضرار أو أنهم تجب طاعتهم في كل ما يقولون ولو خالفوا الكتاب والسنة، من اعتقد ذلك فقد أشرك بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة".
وكانت عدد من الأستاذات في الجمعيات العلمية في كل من الدول التي انتشرت فيها سلفا قد نبهن الى مخاطر هذه الدعوات كما نبهت لها عدد من النساء اللاتي انخرطن فيها واكتشفن بعد فترة انها تحمل من البدع الكثير.
لذلك وجب التنويه في دولة قطر بخطورتها على الدين وعلى العقيدة المستقيمة وعلى الشباب وأهدافها في صرفهم عن الدين الحق ببدع وضلالات ما انزل الله بها من سلطان، وتعطيل ارادتهم وصرفهم ايضا عن علمهم وتنمية مجتمعاتهم بتسخير ولائهم للانسة أو الشيخة أو المريدة وتمييع ذات الله في ذات الانسة او الشيخة، وادخالهم في عالم البدع وربما تجاوزها الى الطلاسم والعياذ بالله كما ورد استخدام هذه الفئة لها في بعض الشهادات من قبل اخواتنا العربيات. فضلا عن تمييع مجتمع بأسره ستقوم تربية جيله القادم نساء ورجال على يد فتيات اليوم امهات المستقبل.
وفي ذلك فإننا نطالب وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية في الدولة بتكثيف دورها المنوط بها في تمحيص وتدقيق شأن الدعوة في قطر والقائمين عليها ورخصها وترخيص ممارسيها، خصوصا ونحن مجتمع يدين بالدين الحق دون شركيات او بدع او ضلالات، بل وضرورة تعرية وفضح البدع والضلالات وكشف زيفها للأجيال من خلال المنابر وسائر وسائل الدعوة والإعلام، ومنها الإعلام الجديد حتى لا تتسلل لهم خفية في عمامة مضللة.
هذا ومما يعمق ويثمن موقف دولتنا وشعبنا من الدين الحق هو احتضان دولة قطر اكبر جامع المسمى باسم الشيخ محمد بن عبدالوهاب إمام المنهج القائم على السنة النبوية الشريفة، ونسمع في مناراته افضل الخطب الدينية كل جمعة تلك البعيدة عن مناهج البدع والضلالات والتطرف، والتي يجب ان ينسحب منهجها المستقيم على سائر مراكز ادارة الدعوة في قطر، سواء كانت في مساجد رسمية او دور او مراكز دينية فهذه من الخطورة بمكان، بحيث يجب الا تقلد في يد من ليس له علم ديني أوفي يد من يشك في منهجيته وعقيدته، او من يستخدم اسلوب السرية والتخفي.
فضلا عن ضرورة تسجيل المراكز والدور رسميا في الوزارة، وأن لا يكون الثراء او الوجاهة او اي سبب اجتماعي اخر سببا في تزكية دار دون معرفة ما وراءها، فالتقوى والمنهج الديني الواضح الصريح القويم هو معيار الدعوة في المساجد والدور والمجالس وحتى البيوت.
هذا والدور الباقي علينا نحن في المؤسسات التربوية والتعليمية والأسرية، ومسؤولية كبرى تقع علينا نحن الأفراد آباء وامهات وفتيات، فما ينتشر في الخفاء يجب الإخبار عنه وتداوله في الاسرة لكشف زيفه من قبل الناضجين في حوار عائلي وتربوي شفاف، حتى لا يتسلل احد المريبين من اي دعوة من الدعوات او الحركات الضالة الى ابنائنا عبر النوافذ باسم الدين.
والله نسأل ان يحفظ ديننا وامانتنا في العالم قاطبة وان يحفظ لقطر دعوتها الحق الصريحة الواضحة، ويكفي الاسلام وابناءه شر الدعوات المضللة التي تسري في المجتمعات للفت في عقيدة الأمة وتفتيت لحمتها.
(وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلك وصاكم به لعلكم تتقون)..
صدق الله العظيم.
كاتبة وإعلامية قطرية Twitter: @medad_alqalam medad_alqalam @ yahoo.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
2640
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
1071
| 13 مايو 2026
من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً وتكراراً وسوف نظل نتكلم عنها دون كلل أو ملل لبالغ أهميتها وعظيم تأثيرها في المجتمعات وما تشكله من معاناة للبعض من غير المقتدرين الذين يرغبون بتحصين أنفسهم بالزواج لكيلا يقعوا في الرذيلة لكن تكاليف الزواج التي جَنح بها حب المظاهر عن عواديها السليمة وحوَّلَها من ضرورة التيسير فيها إلى التعسير وابتعدت بها المبالغات في التكاليف كثيراً عن حدود المنطق والعقل في زمن للأسف الشديد لم يعد لمعظم الرجال كلمة الفصل في هذه القضية وأصبح زمام المبادرة وتحديد قائمة الطلبات التي لها أول وليس لها آخر بيد النساء وقول الفصل لهُن ولم يكتفين بذلك وحسب بل لهن اختراعات كل فترة وفترة في ذلك تزيد من طين تعقيد الأمور بلة! وزادت التكلفة حتى أصبح المُقدم على الزواج يفكر ألف مرة قبل الإقدام عليه بعد أن بلغت تكاليفه مبالغ كبيرة لربما لا طاقة للراغب بالزواج في تحملها مما دعا البعض للزواج من جنسيات أُخرى لقلة التكلفة مما تسبب بزيادة في نسبة من فاتهن قطار الزواج وضاعت عليهن فرص كانت سانحة وفي متناول اليد في الزواج لولا حب المظاهر الخداعة وفلانة عملت عُرساً خُرافياً تكلم عنه القاصي والداني يقولون كلف الملايين. ونحن نعلم أنه أصبح للزواج قائمة كبيرة من المراحل تسبق حفلة الزواج حفلة للملكة وحفلة للخطوبة وحفلة للحناء ودخل على الخط حديثا حفلة في بيت المعرس تنقل لها مراسم حفل خاص بالرجال يستقبل فيه المعرس المهنئين ينقل على الهواء مباشرة والذي أصبح يوم له ويوم آخر لعرس النساء يكون في إحدى الصالات باهظة الثمن. والسؤال الذي يطرح نفسه هل أنزل الله سبحانه بكل هذا من سلطان؟ وهل أمر رسولنا بذلك أم أنه صلى الله عليه وسلم أمر بالتيسير قدر المستطاع فكما يقولون ما هان استبرك. فبعد أن بلغ السيل الزُبى بخصوص ارتفاع تكاليف الزواج ألم يأن الأوان للجهات الدينية الرسمية أن تتدخل وتضع حداً لكل هذا وتحدد تكاليف الزواج بمبلغ يكون مقبولا ومعقولا بحدود المستطاع ولا يُترك الحبل على الغارب بأي حال من الأحوال لعدم التمادي أكثر في هذا السلوك غير السوي الذي لا يساعد على إصلاح المجتمعات وانتشار الفضيلة ومكارم الأخلاق التي تُعد صمام أمان للمجتمعات المسلمة؟ فالزواج يُعالج مشاكل مجتمعية وأخلاقية قصيرة وبعيدة المدى قد يجهلها المجتمع النسوي الذي للأسف أصابه داء حب المظاهر لدرجة كبيرة وغير مقبولة في ظل عدم وجود دور لبعض الرجال ضعفاء الشخصية في هذه القضية التي أصبح للنساء القول الفصل فيها؟! فهن من يحددن طلبات الزواج وهُن من يتفنن في ذلك وهُن من تسببن بتزايد العنوسة وكم من الفرص ضيعوها على حساب سعادة بناتهن؟! وآخر الكلام نيل النساء كامل حقوقهن في الدول شيء جيد ولكن يجب أن يكون ذلك بحدود محسوبة ومضبوطة حتى لا تخرج الأمور إلى خارج نطاق السيطرة وينسون أن الرجال قوامون على النساء..
1008
| 11 مايو 2026