رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتشرت في الآونة الأخيرة في دولة قطر دعوة باطنية تعتمد السرية في نشر دعوتها وعدم الإفصاح عن افكارها وعقائدها، لا يمكنك الالتفات لها مبكرا، لأن بداياتها طبيعية جدا كأي دعوة دينية بلا شك تعتمد القرآن الكريم حفظا وتلاوة وتستميل الفتيات وفقا لذلك، ولكنها تستدرج اتباعها شيئا فشيئا الى البدع والضلالات، هذه الدعوة انشئت لها بعض الدور في قطر لم يتم التنبه لها او الوقوف أمامها ومن ثم انطلقت في الندوات الأخرى، فالحركة تستخدم معايير اجتماعية فتستميل قلوب الشخصيات ذات الثراء والمناصب والنفوذ والذكاء في المجتمع ليسهل انتشارها كـ "قوة ناعمة " دون جهد.
وهي حركة نسائية دينية تسمى "القبيسات" نسبة الى "منيرة القبيسي" مؤسستها، وهي سيدة سورية نشرت مذهب الصوفية على الطريقة النقشبندية — احدى طرق الصوفية — في سوريا، وتأسست لها جمعيات شتى منها "الطباعيات في الأردن، و"السحريّات" في لبنان و"بنات البيادر" في الكويت وانتشرت في العراق وفلسطين ودول الخليج امتدادا شيئا فشيئا، واستطعن انشاء الجمعيات الخيرية والمؤسسات التعليمية والتربوية وتحقيق انتشار واسع ولافت خصوصا في المدارس والجامعات.
ومن يسمين فيها الآنسات أو الشيخات او المريدات يمارسن هذه الدعوة في الخفاء ويظهرن ما لا يبطن اي يستخدمن عقيدة "التقية"، ولها عقائد وافكار وسلوكيات خاصة للإسلام.
إن ما يبعث على الريبة في مثل هذه الدعوة هو سريتها وانعزاليتها وانتقائيتها وانتشار ونشر عدد من البدع والضلالات من خلالها وسأوردها لتنبيه المجتمع لخطورتها العقدية على النحو التالي..
أولا- سريتها:
هو انك ايتها المرأة الأم أو الأخت أو ولية الأمر الناضجة عمرا، إذا اردت مرافقة بناتك أو اخواتك الصغار سنا الى ندوات هذه الدعوات التي انتشرت في قطر مؤخرا لا تستطعين مباشرة مثلها مثل اي ندوة دينية، بل لا يتأتي لك ذلك إلا بعد طلب موافقة الأستاذة الداعية التي تشترط ذلك. بل ان اي عضو جديد ايضا من الفتيات لا يمكنه الانخراط في الندوة الا بعد الاستئذان، وسيتبين لك ان تلك الاستاذة تنتمي الى شيخة اكبر في اتباع ومريدين، وما هؤلاء الآنسات الجدد في الدعوة الا ضحايا سالفات للمريدات وللشيخة الكبيرة.
وإننا جميعا نعجب: هل في حضور وليات الأمور مع صغيراتهم ندوات الذكر وحلقات القرآن استئذان؟ وما الذي يخفيه هذا التنظيم السري اذا كان حقا دعوة دين حق؟
السرّية تدخل التشكك في المنهج العقدي لهذه الدعوة التي تريد التسلل للمجتمع والدخول من النوافذ لا الأبواب.. خصوصا وأن القاعدة الشرعية في الدعوة تعتمد الوضوح والصراحة وفتح الأبواب ولنا في الندوات الدينية وخطب ودروس المساجد خير عبرة.
ثانيا- انتقائيتها:
ما يبعث الريبة ايضا الى جانب سرية ممارسة الدعوة، الانتقائية في فئة الجمهور، النساء جنسا والبنات والمراهقات من بنات الذوات والنفوذ والوجهاء والاعيان والتجار. ولعل البعض يعجب لماذ تستقطب الدعوة النساء جنسا بالتحديد؟
ولهم نجيب بما قاله الشاعر حافظ ابراهيم:
من لي بتربية النساء فإنها في الشرق علة ذلك الإخفاق
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق
الأم أستاذ الأساتذة الألى شغلت مآثرهم مدى الآفاق
أعني بإيراد هذه الأبيات، عظم دور الأم المنوط بها مستقبلا في اي موقف واي دعوة واي تربية،
ولأن المراهقة والفتاة الشابة الأداة الطيعة الآن والأسهل في التأثر، ستكون تباعا هي أم المستقبل التي يتتلمذ على يدها أجيال لن تتعب الدعوة في تتبعهم بعد تشربها وحذقها للدعوة، التي ستصبح لها ولابنائها، ذكورا وإناثا، اسلوب حياة وتربية وعقيدة ومنهجا، لذلك فهي لم تدعُ لها فردا بل صنعت لها في كل مجتمع مدارس مستقبلية لمصنع عقدي جديد "للتصوف" دون تعب بين الرجال والنساء.
البدع والضلالات:
يتخلل الدعوة عدد من البدع ومنها على سبيل المثال لا الحصر حيث لا يتسع لها مقال واحد:
— تتكرر في الأقوال وكتب الشيخات الاعتقاد بوحدة الوجود، وهي عقيدة صوفية فاسدة تعتقد ان الله والعالم شيء واحد، وأن لا فرق بين الخالق والمخلوق. وفي ذلك مؤلف اسمه: "المتاح في الموالد والأناشيد الملاح" يؤيد هذا الاعتقاد.
— تنتشر الصلاة النارية بأعداد خاصة وسرعة مذهلة وفي أوقات خاصة بقراءة ادعية خاصة في جلسات جماعية أو فردية لجلب مصلحة ما او دفع مضرة ما.
— تقديس الشيخة وعدم مناقشتها واعتبار امرها مطاعا، ورجوع الاستاذة المتبنيّة للدعوة في اي دولة وأي قطر لشيختها الكبيرة وتقديم طاعتها على طاعة الزوج او الأب او ولي الأمر. وقد بحثت في الانترنت فوجدت في المنتديات فضحا لبطلان هذه العقيدة وورود عدد كبير من الشكاوى من الازواج على تتبع زوجاتهم هذا التصرف وتسببهن في طلاقهم من زوجاتهم.
— المواظبة على اذكار معينة وصلوات محددة مبتدعة مثل صلاة التسابيح وصلاة الأوابين، وصلاة الظلمة.
— جلسة الإشراق وقراءة البقرة يوميا قراءة سريعة متمتمة دون تدبر.
— سجود الشكر الجماعي أو الختم الجماعي بنية معينة، والتسابيح الجماعية، مثل التسبيح سبعين الف مرة أو مسك السبحة والقلب في آن واحد واستحضار الشيخة الكبيرة عند ذلك حتى يمتد النور لهن منها مباشرة.
— إيراد عدد من الاحاديث بسند ضعيف او ليست هي بأحاديث وقراءة "الأوراد" وترديدها في اوقات معينة وبطريقة معينة، وهذه من لوازم الطرق الصوفية فلا طريقة بغير ورد تتميز به، لذلك شاع لديهم "الطريقة بأورادها" وهذا مخالف لما عليه الشرع واهل العلم الثقات.
— إيراد اوراد محددة بذاتها بعد الصلاة مثل "مالها من دون الله كاشفة" 100 مرة و"سلام قولا من رب رحيم" 100 مرة.
— التبرك بالاستاذة أو الآنسة والتقاتل على الشرب بعدها او تقبيل رأسها او الجلوس عند رجليها، وقراءة سورة البقرة بنيتها للآنسة.
— زيارة القبور وتقديس الأضرحة.
— الدعوة للطواف حول الكعبة 47 شوطا.
— كشف اسرار البيوت للمربية او الآنسة بحجة انها تساعد في اخذ يد الفتاة الى الله.
— التشكيك في السنة النبوية المحمدية واستخدام نعت الوهابية والاشارة بنعت كثير من مشايخ الأمة بها وكأنه سبّة.
— اعتمادهن على كتب مريبة أو مبتدعة مثل تداولهن كتاب يسمى "مزامير داود" وهذا الكتاب ليس عليه اسم من ألّفه؛ وإنما منيرة قبيسي وجماعتها لفقنه من مصادر شّتى وزدن فيه من عندهن مثل قولهنّ: "شيختنا معنا أينما كنّا لا تضيعنا" ؛ وليس عليه اسم مطبعة من المطابع، او الاستعانة بكتاب في افقه وطلب عدم كشفه على احد..
او كتبهن مثل "نجوم في فلك النبوة" للطباعيات وبه ما به من احاديث ضعيفة.
— تأليف أناشيد على نفس لحن الأغاني او اناشيد مع الطار ترنما بسيرة المصطفى.
إن هذه الحركة الغريبة على مجتمعنا والدعوة المضللة تستدعي التنبه لها من قبل اولياء الامور والمراكز التربوية والتعليمية ووزارة الاوقاف والجهات المعنية في الدولة.
وفي ذلك تجدر التوعية بأنه قد صدرت فيها فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ردا على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من مستفتٍ من الكويت والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (11 — 16) وتاريخ (18 /5 /1414).
وقد سأل المستفتي سؤالاً هذا نصه:
(بشأن جماعة من النساء في الكويت يقمن بنشر الدعوة الصوفية على الطريقة النقشبندية، وهن يعملن تحت إطار رسمي "جمعية نسائية" ولكنهن يمارسن هذه الدعوة في الخفاء ويظهرن ما لا يبطن. وقد حصل أن اطلعنا على كتاباتهن وبعض كتبهن واعتراف بعضهن ممن كن في هذا التنظيم. وذلك يتمثل بعضه بالآتي:
يقولون من لا شيخ له فشيخه الشيطان، ومن لم ينفعه أدب المربي لم ينفعه كتاب ولا سنة، ومن قال لشيخ لم، لم يفلح أبدا، ويقولون بالوصل بعملية الذكر الصوفي مستحضرين صورة شيختهن أثناء الذكر، ويقبلون يد شيختهن التي يطلقون عليها لقب الآنسة وهي من بلد عربي من خارج الجزيرة، ويتبركن بشرب ما تبقى في إنائها من الماء، ومن كتاباتهن لأدعية خاصة، وأني وجدتها بعد ذلك مقتبسة من كتاب اللؤلؤ والمرجان في تسخير ملوك الجان، ويقومون بتأسيس المدارس الخاصة بهن لاحتواء الأطفال على طريقتهن، ويعملن في مجال التدريس مما يعيطهن مجالا لنشر هذه الدعوة في صفوف بنات المدارس الحكومية المتوسطة والثانوية.
وقد فارقت بعض من هؤلاء النسوة أزواجهن وطلبوا الطلاق عن طريق المحاكم عندما أمرهن هؤلاء الأزواج بالابتعاد عن هذا الطريق الضال.
وكان السؤال:
- ما هو الحكم الشرعي في عقيدة هؤلاء النسوة مع إصرارهن على هذه الطريق؟
وبعد دراسة اللجنة له أجابت بهذه الفتوى المهم نشرها في المجتمعات الاسلامية:
"الطرق الصوفية، ومنها النقشبندية، كلها طرق مبتدعة مخالفة للكتاب والسنة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إياكم ومحدثات الأمر، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
بل إن الطرق الصوفية لم تقتصر على كونها بدعة مع ما في البدعة من الضلال، ولكن داخلها كثير من الشرك الأكبر، وذلك بالغلو في مشايخ الطرق والاستغاثة بهم من دون الله، واعتقاد أن لهم تصرفاً في الكون، وقبول أقوالهم من غير نظر فيها، وعرضها على الكتاب والسنة.
ومن ذلك ما ورد في السؤال من قولهم: من لا شيخ له فشيخه الشيطان. ومن لم ينفعه أدب المربي لم ينفعه كتاب ولا سنة، ومن قال لشيخ لم، لم يفلح أبدا.
وهذه كلها أقوال باطلة مخالفة للكتاب والسنة، لأن الذي يقبل قوله مطلقاً بدون مناقشة ولا معارضة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقول الله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وقوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).
أما غيره من البشر مهما بلغ من العلم، فإنه لا يقبل قوله إلا إذا وافق الكتاب والسنة، ومن زعم أن أحداً تجب طاعته بعينه مطلقاً غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ارتد عن الإسلام، وذلك لقوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون).
وقد فسر العلماء هذه الآية بأن معنى اتخاذهم أرباباً من دون الله:
طاعتهم في تحليل الحرام، وتحريم الحلال، كما روى ذلك في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، فالواجب الحذر من الصوفية رجالاً ونساءً، ومن توليتهم التدريس والتربية، ودخولهم في الجمعيات النسائية وغيرها لئلا يفسدوا عقائد المسلمين.
والواجب على الرجل منع موليته من الدخول في تلك الجمعيات أو المدارس التي يتولاها الصوفية أو يدرسون فيها حفاظاً على عقائدهن، وحفاظاً على الأسر من التفكك وإفساد الزوجات على أزواجهن.
ومن اعتنق مذهب الصوفية فقد فارق أهل السنة والجماعة، وإذا اعتقد في شيوخ الصوفية أنهم يمنحون البركة، أو ينفعون أو يضرون فيما لا يقدر عليه إلا الله من شفاء الأمراض وجلب الأرزاق، ودفع الأضرار أو أنهم تجب طاعتهم في كل ما يقولون ولو خالفوا الكتاب والسنة، من اعتقد ذلك فقد أشرك بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة".
وكانت عدد من الأستاذات في الجمعيات العلمية في كل من الدول التي انتشرت فيها سلفا قد نبهن الى مخاطر هذه الدعوات كما نبهت لها عدد من النساء اللاتي انخرطن فيها واكتشفن بعد فترة انها تحمل من البدع الكثير.
لذلك وجب التنويه في دولة قطر بخطورتها على الدين وعلى العقيدة المستقيمة وعلى الشباب وأهدافها في صرفهم عن الدين الحق ببدع وضلالات ما انزل الله بها من سلطان، وتعطيل ارادتهم وصرفهم ايضا عن علمهم وتنمية مجتمعاتهم بتسخير ولائهم للانسة أو الشيخة أو المريدة وتمييع ذات الله في ذات الانسة او الشيخة، وادخالهم في عالم البدع وربما تجاوزها الى الطلاسم والعياذ بالله كما ورد استخدام هذه الفئة لها في بعض الشهادات من قبل اخواتنا العربيات. فضلا عن تمييع مجتمع بأسره ستقوم تربية جيله القادم نساء ورجال على يد فتيات اليوم امهات المستقبل.
وفي ذلك فإننا نطالب وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية في الدولة بتكثيف دورها المنوط بها في تمحيص وتدقيق شأن الدعوة في قطر والقائمين عليها ورخصها وترخيص ممارسيها، خصوصا ونحن مجتمع يدين بالدين الحق دون شركيات او بدع او ضلالات، بل وضرورة تعرية وفضح البدع والضلالات وكشف زيفها للأجيال من خلال المنابر وسائر وسائل الدعوة والإعلام، ومنها الإعلام الجديد حتى لا تتسلل لهم خفية في عمامة مضللة.
هذا ومما يعمق ويثمن موقف دولتنا وشعبنا من الدين الحق هو احتضان دولة قطر اكبر جامع المسمى باسم الشيخ محمد بن عبدالوهاب إمام المنهج القائم على السنة النبوية الشريفة، ونسمع في مناراته افضل الخطب الدينية كل جمعة تلك البعيدة عن مناهج البدع والضلالات والتطرف، والتي يجب ان ينسحب منهجها المستقيم على سائر مراكز ادارة الدعوة في قطر، سواء كانت في مساجد رسمية او دور او مراكز دينية فهذه من الخطورة بمكان، بحيث يجب الا تقلد في يد من ليس له علم ديني أوفي يد من يشك في منهجيته وعقيدته، او من يستخدم اسلوب السرية والتخفي.
فضلا عن ضرورة تسجيل المراكز والدور رسميا في الوزارة، وأن لا يكون الثراء او الوجاهة او اي سبب اجتماعي اخر سببا في تزكية دار دون معرفة ما وراءها، فالتقوى والمنهج الديني الواضح الصريح القويم هو معيار الدعوة في المساجد والدور والمجالس وحتى البيوت.
هذا والدور الباقي علينا نحن في المؤسسات التربوية والتعليمية والأسرية، ومسؤولية كبرى تقع علينا نحن الأفراد آباء وامهات وفتيات، فما ينتشر في الخفاء يجب الإخبار عنه وتداوله في الاسرة لكشف زيفه من قبل الناضجين في حوار عائلي وتربوي شفاف، حتى لا يتسلل احد المريبين من اي دعوة من الدعوات او الحركات الضالة الى ابنائنا عبر النوافذ باسم الدين.
والله نسأل ان يحفظ ديننا وامانتنا في العالم قاطبة وان يحفظ لقطر دعوتها الحق الصريحة الواضحة، ويكفي الاسلام وابناءه شر الدعوات المضللة التي تسري في المجتمعات للفت في عقيدة الأمة وتفتيت لحمتها.
(وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلك وصاكم به لعلكم تتقون)..
صدق الله العظيم.
كاتبة وإعلامية قطرية Twitter: @medad_alqalam medad_alqalam @ yahoo.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2889
| 01 مارس 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2844
| 27 فبراير 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
1464
| 04 مارس 2026