رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

قيمة الإنسان في وطن يعرفه

• نعيش في وطن لم يجعل أمن الإنسان وسلامته مجرد شعار يرفع، بل جعله جوهر الدولة ومرتكز سياساتها وغاية قراراتها. • نعيش في وطن يدرك معنى ان يعيش المواطن والمقيم في امن وامان، لا بوصفه امتيازا عابرا، بل حقا اصيلا ومسؤولية عليا، وعهدا لا يتقدم عليه شيء. ولهذا لم يكن الامن في هذا الوطن حالة طارئة، بل منظومة متكاملة، ويقظة دائمة، ورؤية قيادة تعرف ان استقرار الاوطان لا يصنع بالصدفة، بل يصنع بالحكمة والاستعداد وحسن الادارة. • ورغم ما نتعرض له من تحديات وظروف اقليمية متسارعة، الا ان الحكومة الرشيدة ماضية في حماية الداخل، وتثبيت الطمأنينة في النفوس، وصيانة حياة من يعيش على هذه الارض. وقد لا نرى ما يحدث في الصفوف الخلفية، ولا ندرك ما يدور في الغرف القيادية من تقديرات دقيقة واستعدادات متواصلة، الا اننا نلمس اثر ذلك في ثبات الوطن، وفي استمرار الحياة، وفي شعور المواطن والمقيم بأن هناك دولة تحرسه، وقيادة تسهر لأجله، ومؤسسات تعمل بصمت واقتدار من اجل سلامته وامنه واستقراره. • ونحن حين ننعم بهذا الامان، ندرك ايضا حجم الجهود التي تبذلها قواتنا المسلحة واجهزتنا الدفاعية في حماية حدود الوطن، والسهر على أمنه، والوقوف سدا منيعا امام كل تهديد. اولئك الذين يعملون في صمت، ويحملون ارواحهم على اكفهم، هم عنوان العزة، وصمام الامان الذي يمنح المجتمع ثقته، ويجعل الناس يمضون في حياتهم وهم يعلمون ان هناك من يحرس هذا الوطن بعين لا تنام وولاء لا يتزعزع. • لكن قوة الوطن لا تقف عند حد الامن، بل تمتد الى حضوره الانساني والدولي، والى قوته الناعمة التي مارستها قطر بوعي واقتدار. ففي زمن الازمات لم تنكفئ على ذاتها، ولم تنشغل عن رسالتها، بل بقيت حاضرة في الميدان الانساني، مؤثرة في الدبلوماسية، ثابتة في المواقف، تمد يد العون للمحتاج، وتساند الدول الضعيفة والفقيرة، وتؤكد ان الدولة القوية ليست فقط من تحمي حدودها، بل من تحفظ مبادئها ايضا. ومن هنا جاء موقفها الثابت في الوقوف مع اهل غزة، نصرة للحق، وانحيازا للانسان، وثباتا على الموقف الاخلاقي في وجه الحصار والعدوان. • ونعيش كذلك في وطن يقوم على العدل، تتوازن فيه الحقوق والواجبات، ويشعر فيه المواطن بقيمته ومكانته، في ظل منظومة قانونية ومؤسسية تعزز الثقة وتحقق الاستقرار. وهو وطن لا يكتفي بحماية الحاضر، بل ينظر بعين المستقبل، ويخطط للاجيال القادمة، ويحفظ حقوق الاجيال الحالية، في رؤية استراتيجية تدرك ان الاوطان العظيمة تبنى بعقل الغد، وتستثمر في الانسان قبل كل شيء. • ومن اعظم ما يميز هذا الوطن انه يعرف قيمة ابنائه، ويحرص على تكريم المتميزين في مختلف المجالات، ايمانا بأن التميز ركيزة اساسية في بناء الدول، وان الاستثمار في الانسان هو الاستثمار الاكثر استدامة وأثرا. وقد شهدنا مبادرات وجوائز تعكس هذا التوجه، وتؤكد ان الوطن يحتفي بأبنائه ويقدر منجزاتهم، ويجعل من قصص نجاحهم نماذج ملهمة للاجيال. • ويأتي هذا التوجه امتدادا لرؤية حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي يؤكد في مختلف المناسبات ان العلم هو اساس النهضة، وان الاستثمار في البحث العلمي والمعرفة هو الطريق الحقيقي لبناء مستقبل مستدام وقادر على المنافسة. فالدعم المستمر للمؤسسات التعليمية والبحثية، ورعاية المبادرات العلمية، يعكس ايمانا راسخا بأن الانسان المتعلم هو عماد الوطن وقوته الحقيقية. • كما يبرز الدور الريادي لصاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، التي جعلت من دعم التعليم والبحث العلمي رسالة مستمرة، من خلال تبنيها لعدد من المبادرات والمؤسسات التعليمية الرائدة، وحرصها على حضور الفعاليات العلمية وتكريم المتميزين، بما يعكس إيمانا عميقا بقيمة العلم، ويجسد توجه الدولة في الاستثمار في العقول، ورعاية الكفاءات، وبناء مجتمع معرفي قادر على صناعة المستقبل. • ومع ذلك، فإن كمال هذا المشهد يكتمل حين تمتد هذه الرعاية لتشمل ايضا من لم تتح لهم الفرصة بعد لإبراز تميزهم، فهناك طاقات وطنية واعدة، وكفاءات علمية وفكرية، قد لا تجد دائما المنصة المناسبة او التقدير الذي يوازي جهدها. وهنا تتجلى اهمية توسيع مسارات الاحتواء والتمكين، وفتح الابواب امام هذه العقول، لتكون جزءا من مسيرة البناء، وشريكا حقيقيا في صناعة الاثر. • فالوطن الذي يكرم المتميزين، ويبحث عن المبدعين، ويمنح الفرص لمن يستحق، هو وطن لا يكتفي بالنجاح، بل يصنعه، ولا ينتظر التميز، بل ينميه ويحتضنه. • لقد مرت هذه الارض بتحديات وازمات، ثم شاء الله لها الخير، وكرمها بالنعم، من بترول وغاز طبيعي وغيرهما من خيرات اودعها الله في باطن الارض وعمق البحار، وهيأ لها من اسباب النهوض ما جعلها ترتقي في مستوى المعيشة، وتتقدم في البنيان والانسان، وتصبح نموذجا في الطموح والاستقرار والرعاية.• ولهذا فإن اعظم ما يمنحه الوطن لأبنائه ليس فقط الامن الذي يعيشونه، ولا الرفاه الذي ينعمون به، ولا الخدمات التي يحصلون عليها، بل ذلك الشعور العميق بإنهم يعيشون في وطن يعرفهم، ويحفظ حقوقهم، ويقدر جهودهم، ويؤمن بقدراتهم، ويرى فيهم شركاء حقيقيين في صناعة الحاضر والمستقبل. ذلك هو الوطن الذي لا يحمي حدوده فقط، بل يحمي معنى الانسان. ولا يصنع الاستقرار فقط، بل يصنع الانتماء. ولا يبني دولة اليوم فقط، بل يؤسس لعزة الغد. •آخر جرة قلم في وطن تشتد فيه التحديات وتتعاقب فيه الأزمات، وينعم بحفظ الله وأمنه وأمانه، يبقى الانسان فيه قيمة، والعلم فيه طريق، والقيادة فيه يقين، فلا يخشى على الغد، بل يبنى بثبات.

252

| 09 أبريل 2026

خلع الحجاب وصعود الترند !

• لم تعد معركة القيم والذوق العام والحياء تدور في الخفاء، بل باتت تخاض كل يوم وعلى مدار الساعة عبر الشاشات الصغيرة التي تدخل كل بيت وكل يد وكل عقل. فاليوم لم يعد التأثير محصورا في محاضرة عابرة أو مجلس محدود، أو لقاء عابر بل معركة القيم اصبحت تدار عبر منصات التواصل، والصور السريعة، والمقاطع المختصرة، والاعلانات المتكررة، والنماذج التي يعاد تقديمها للفتيات والنساء على انها المثال الناجح والملهم والمطلوب تقليده.. نماذج تدس السم في نصائحها وحديثها.. • وفي وسط هذا الزخم، تبرز بوضوح مظاهر مقلقة لا يمكن تجاهلها. من خلع الحجاب، بمبررات ساذجة وواهنة وسطحية.. منهم من تريد الصعود على خلعه والإعلام المستمر لتسريح شعرها والشامبو والزيت ووو بهدف المادة والوصول لترند وتجذب لها الإعلانات خادعة وكاذبة وتلعب على العقول الصغيرة! ومنهن من خلعته وتعتذر انها خلعته لما تمر به نفسيا وان اهلها ضغطوا عليها لارتدائه وهي طفلة!! ونماذج من تقلد الأخريات بارتداء غطاء الرأس بصورة وضعه على الرأس مع كشف الشعر من الأمام والخلف!! ارتداؤه بصورة تفرغه من معناه، الى انتشار انماط من اللباس لا تحقق مقصود الستر والحشمة، الى التوسع في تقديم التبرج على انه حرية شخصية لا تقبل النقاش، وكأن المجتمع مطالب فقط بالتفرج والصمت والتكيف التدريجي مع كل ما يفرض عليه حتى يعتاده البصر وتألفه النفوس. • والاخطر من ذلك، اننا لم نعد امام ظواهر شكلية فقط، بل امام خطاب مواز يسعى الى اعادة تعريف كثير من الثوابت الشرعية والاخلاقية بلغة ناعمة ومضللة..فتاوى شاذة او مبتورة.. وتفسير رؤى تدعم مغالطات! وتفسيرات ضعيفة، ومحاولات لتصوير الحجاب على انه مجرد عادة اجتماعية او خصوصية تاريخية لا الزام فيها ولا شرعية ولا فرض نزل به، وكل ذلك يقدم احيانا تحت لافتات التجديد والانفتاح وقراءة الدين بروح العصر، بينما المقصود الحقيقي في كثير من الاحيان هو تفريغ الاحكام من مضمونها وقطع الصلة بين التدين والحياة العامة.. وإيجاد مبررات لتناقضات واضحة تخدم هؤلاء الفئات!• وفي مقابل هذا التيار، يلاحظ غياب او تراجع اصوات تربوية ودعوية كانت في فترات سابقة اكثر حضورا وقربا من الناس، خاصة من فئة الشباب والفتيات. كنا نرى الداعيات والمحاضرات النسائية واللقاءات التربوية في المدارس والجامعات والمساجد والمراكز المتخصصة وحتى في مجالس البيوت ولقاءات أسبوعية. وكانت هناك مساحات وعظية راقية تخاطب العقل والروح، وتناقش قضايا الحياء والاسرة والهوية والقدوة والستر بلغة حكيمة ومحببة. واليوم تراجع هذا الحضور في وقت نحن احوج ما نكون فيه اليه. • ان دور الدعاة والداعيات اليوم لا يجب ان يبقى تقليديا او محصورا في الاطار الوعظي المحدود، بل ينبغي ان يستعاد بصورة اكثر وعيا وفاعلية ومواكبة. نحن بحاجة الى خطاب شرعي وتربوي صادق ويطابق الواقع الحقيقي للدين وعميق، ثابت في اصوله، ذكي في ادواته، قادر على الوصول الى الجيل الجديد بلغته، ومنافس للمحتوى السطحي الذي يملأ الفراغ. كما اننا بحاجة الى شراكة حقيقية بين وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية ووزارة التربية والتعليم والجامعات ووسائل الاعلام والمؤسسات الثقافية.. من اجل بناء وعي يحمي ولا يكتفي بالاسف بعد وقوع الاثر. • فالمجتمع لا يحفظ فقط بالقوانين، بل يحفظ ايضا بحضور ووجود القدوة الصادقة والقوية، وقوة الكلمة، ووضوح الرسالة، واستمرار التوجيه، ومخاطبة الوجدان قبل السلوك. • آخر جرة قلم: في زمن تصنع فيه بعض المنصات نجوما من الفراغ، وتعيد تشكيل الذوق والقيم تحت ضغط الصورة والاعلان، تصبح الحاجة ملحة لاعادة الاعتبار للدور التربوي والدعوي الجاد. فالفتيات لا يحتجن فقط الى من يحدثهن عن المظهر، بل الى من يذكرهن بمعنى الكرامة والحياء والستر وقيمة المرأة في دينها وعقلها ورسالتها ومعنى الحشمة. وحين يغيب هذا الدور، تتمدد الفوضى بهدوء، حتى يبدو المنكر عاديا، ويصبح الثابت غريبا.. ولا نجد القدوة ولا من يقول كلمة حق وينكر منكرا ويأمر بمعروف ويخاطب بحجج وثوابت لا تقابل التغيير والمزاجية والفوضى..

435

| 02 أبريل 2026

الأمان ليس صدفة بل ثمرة قيادة

• تتحرك عجلة الأيام، وتمضي الشهور، وتتبدل السنوات، لكن تبقى بعض اللحظات راسخة في الذاكرة، لا تُمحى، بل تتحول إلى صفحات من تاريخ الوطن… صفحات تُكتب بمواقف الصبر، وبقوة الثبات، وبحكمة القيادة. • نعيش في نعمة عظيمة… نعمة وطن آمن، وقيادة رشيدة، ووطن لا يكتفي بحماية حدوده، بل يمد يده بالخير والعون للمظلومين في كل مكان. إنها نعم لا تُقاس بالكلمات، بل تُدرك في أوقات الشدّة، حين تظهر حقيقتها ويُختبر معناها. • ما عشناه في الأيام والأسابيع الماضية لم يكن أمرًا هيّنًا… كانت لحظات ترقب، وإنذارات تتوالى في أوقات مختلفة، في الليل والنهار، في النوم والسكون، وفي الحركة والانشغال. ومع ذلك، بقينا في حفظ الله، نعيش طمأنينة لا تُفسَّر إلا بأن هذا الوطن مُحاط بعناية، وبمنظومة متكاملة من الجاهزية والحماية. • في تلك الأيام، كنا نعيش معنى قوله تعالى: “وجعلنا الليل سباتًا وجعلنا النهار معاشًا”، لكننا أدركنا أن الأزمات قد تُربك إيقاع الكون في داخلنا، دون أن تُربك ثبات الوطن. ظل الليل رغم القلق سكونًا، وظل النهار رغم الحذر حياةً تمضي، لأن خلف هذا كله يقظة لا تنام. • كنا نصلي التراويح والتهجد، والإنذارات تعلو أحيانًا، ومع ذلك يستمر الإمام في صلاته بخشوع وأمان… تمضي الركعات، وترتفع الأكف بالدعاء بأن يحفظ الله سماء قطر، وأن يحيطها بسرادقات حفظه، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار. كانت لحظات تختلط فيها رهبة الصوت بسكينة الإيمان، فنشعر أن الدعاء يصل، وأن الحفظ حاضر. • وفي قلب هذه التجربة، برزت القيادة الحكيمة تحت ظل حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، التي أثبتت أن إدارة الأزمات ليست ردّة فعل، بل استعداد، ورؤية، ومسؤولية تُقدّم الإنسان أولًا. كانت القرارات حاضرة، والتنسيق قائمًا، والجاهزية واضحة، بما يعكس قوة دولة تعرف كيف تحمي أرضها وسماءها ومن عليها. • ما نعيشه ليس مجرد إجراءات، بل منظومة متكاملة من الأمن والاستقرار، تُدار بعقل الدولة وروح المسؤولية، وتمنح الإنسان شعورًا بالأمان حتى في أدق اللحظات. وهذه نعمة تستحق الشكر، وحالة تستوجب الوعي، وواقع يدعونا لأن نكون على قدر هذا الوطن. • وإن كانت هذه الأيام قد مرّت بثقلها، فإننا ندعو الله أن تنتهي كل أسباب القلق، وأن يبقى الاستقرار والأمان عنوانًا لدول الخليج العربي كافة… أن يعمّ الله بنعمته على قطر، والمملكة العربية السعودية، ودولة الكويت، ومملكة البحرين، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عُمان، وأن يديم عليها الأمن والأمان، ويحفظ شعوبها وقياداتها من كل سوء. • وفي مشهد لا يُنسى، يختزل معنى الوفاء والتضحية للوطن، جاءت حادثة استشهاد عدد من الجنود القطريين والأتراك أثناء أداء واجبهم في الهليكوبتر، لتُذكّرنا بأن الأمن الذي نعيشه لم يكن يوما مجانا، بل كُتب بدماء رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. لم تكن تلك اللحظة مجرد خبر عابر، بل كانت درسًا عميقًا في معاني البذل والانتماء، حين يمتزج الدفاع عن الوطن بالأخوة الصادقة بين الدول. وكان حضور صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني للصلاة عليهم ومواسات ذويهم، مشهدا يحمل دلالات عظيمة… قائد يقف مع رجاله، يودّعهم بالدعاء، ويؤكد أن من يحمون الوطن لا يُنسَون، بل يُخلَّدون في ذاكرته وتاريخه. إنها رسالة بأن القيادة ليست موقعا، بل موقف، وأن الأوطان تُبنى بسواعد رجالها، وتُصان بقيادات تعرف قيمة التضحية ومعنى الوفاء. • آخر جرة قلم: سيبقى ما عشناه ذكرى… لا تُخيف، بل تُعلّم… أن الأوطان تحمى بالإيمان، وتدار بالحكمة، وتبقى حين تتوحد القلوب خلف قيادتها. وحين يصبح الأمان دعاء، والوطن أمانة، والخليج قلباً واحدًا ينبض بالأمن والسلام. اللهم أدم علينا نعمة الأمن والامان واضرب علينا سرادقات حفظك.. واحفظ قيادتنا وجنودنا وأرضنا وحدودنا.

360

| 26 مارس 2026

الشيخ عبدالرشيد صوفي وإدارة المساجد

* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.

1314

| 18 مارس 2026

اغتنم الأيام قبل الرحيل..

نحن مع موسم الطاعات والتقرب من الله سبحانه وتعالى والإقبال عليه بهمة وسائر الطاعات.. كمن يكون في استعداد وتأهب للاختبار والفوز.. في (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ)، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، شهر فيه ليلة خير مِن ألف شهر، شهر يكرمنا به الكريم لإعادة الحساب وتصحيح ما كان من ضعف وكسل وتخاذل في العبادات وبُعد عن القرآن وذنوب ومعاصي اقترفها العباد، فشهر رمضان شهر القرآن (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) فكم هي السعادة والراحة والطمأنينة والسكينة بالإقبال على كتاب الله طوال العام.. وليس شهر واحد فقط. * وكم من سعادة بتعويد الروح على العطاء والصدقات والأعمال الخيرية تقربا لله سبحانه.. وتدريبا للعيش مع الله طوال العام والحياة على هذه الدنيا.. * الله سبحانه القريب المجيب يخاطب أرواحنا وأنفسنا وعقولنا وقلوبنا في قراءة آياته التي مهما قرأناها ونظن أننا فهمنا معاني الآيات إلا أننا في كل مرة نقف عند آيات وكأننا نقرأها لأول مرة، وآيات نجد فيها السلوى ومخاطبة الروح وسكونها والطمأنينة في كتاب الله.. * تجد من يضيع الشهر الفضيل وروحانياته وجمال لذة العبادة والدعاء وسائر الأعمال الصالحة في أمور دنيوية من الزيارات والتجمعات وكأنهم لم يلتقوا منذ عام!! يضيعون الشهر في مشاهدة القنوات والبرامج ! * الشهر كما يأتي بعد انتظار لأيامه وأنواره تسحب وترحل أيامه سريعا من بين أيدينا.. وتجد من لم يشعر بلذة الطاعات في هذه الأيام الفضيلة والتي عاشها كسائر الشهور.. لهو الخسران الأكبر..! * مع قدوم العشر الأواخر تأتي قمة جمال بركة وأنوار هذا الشهر لمن ضيع أوله في اغتنام العشر الأواخر وتحري ليلة القدر التي فيها ليلة خير من ألف شهر.. فرصة لمن أنفاسه وروحه في جسده ألا يضيع هذه الأيام المباركة.. * لا تضيعوا هذا الشهر والأيام العشر المباركة التي فيها ليلة القدر خير من ألف شهر.. لا تفوتوا من قلوبكم وأرواحكم وتنزلقوا في أرقام قنوات وجلوس ساعات على وسائل التواصل الاجتماعي أو لغو وسهر دون جدوى.. من لا يتسابق ليكون من الفائزين يكون كمن يسكب ماء على تربة دون ثمار، أو كمن يسرف ماله هباء منثورا وتبذير دون عائد ولا ربح ! * كم من أسماء رحلت قبيل رمضان بساعات وأيام؟؟ وأسماء رحلت قبل بلوغ العشر الأواخر..؟ نحن في نعمة عظيمة وفِي أوقات أعظم وفِي موسم حصاده وفير وأجره عظيم وكرم رب العباد في شهر رمضان كبير يفوق ما تتخيله العقول.. * آخرة جرة قلم: لا نترك المتبقي من أيام العشر المباركة تنساب من بين أيدينا، إن ضيعنا وانشغلنا بالعشرين الأوائل، ولم نغتنم روحانية الشهر الفضيل ليكون لها أثر ومكان وفرصة للتغيير في قلوبنا وأرواحنا وتفكيرنا..! هل نضمن ونملك الضمان أن يعود علينا رمضان مرات ومرات؟؟ لنحمد الله ونشكره أننا موجودون بصحتنا وإدراكنا، ووجودنا بالحياة فرصة للعمل الصالح والاجتهاد والتقرب إلى الله.. لنغتنم ما تبقى من أيام.. بالإقبال على الله سبحانه بالطاعات والعبادات وقراءة القرآن والدعاء.. أسأل الله أن يجعلنا ممن شملتهم أيام الرحمة وأيام المغفرة وأيام العتق من النار وأن بلغنا ويبلغنا ليلة القدر ويجعلنا من الفائزين.. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا..

492

| 12 مارس 2026

نعمة الأمن في حال الحرب

نعيش في دولة أنعم الله عليها بنعمة عظيمة لا تُقدّر بثمن.. نعمة الأمن والأمان. وهي نعمة لا تأتي مصادفة، ولا تُصان بالشعارات، بل تتحقق بقيادة رشيدة تدرك معنى المسؤولية ومعنى الرؤية المستقبلية، قيادة تعرف كيف تمسك بدفة الحكم بحكمة تحفظ حقوق الناس اليوم، وتصون حق الأجيال القادمة في الاستقرار والتنمية.لقد علّمنا القرآن الكريم أن الأمن من أعظم النعم التي يمتنّ الله بها على عباده، حين قال الله تعالى: ( الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف). فالأمن في ميزان القيم ليس مجرد استقرار أمني، بل هو أساس العمران، وشرط ازدهار الحياة، ومصدر الطمأنينة التي تقوم عليها المجتمعات.وعندما تتعرض دولة قطر لأي تهديد، كما شهدنا خلال الأيام الماضية وما سبقها من توترات في المنطقة، يتجلى بوضوح أن دولة قطر لا تتحرك بردود فعل متسرعة، ولا تنجرف خلف التصريحات الانفعالية، بل تمضي بخطوات محسوبة، تجمع بين الدبلوماسية الحكيمة والاستعداد المسؤول لحماية الدولة ومصالحها.فالقيادة التي تدرك معنى الدولة، تدرك كذلك أن حماية الإنسان تأتي أولًا، وأن حماية البنية الاقتصادية والمنشآت الحيوية والاستقرار الاجتماعي ليست خيارات، بل مسؤوليات سيادية لا تقبل التهاون.ورغم ما تعيشه المنطقة ونعيشه من توترات وصراعات واحتمالات مفتوحة للحرب، يبقى المشهد داخل المجتمع القطري شاهدًا حيًا على قيمة هذه النعمة… فالناس لا يزالون يذهبون إلى صلاة التراويح في أحيائهم مشيًا على الأقدام، والأطفال يرافقون آباءهم وأمهاتهم إلى المساجد في طمأنينة، والطرقات تمضي بحركتها الطبيعية.قد يبدو هذا المشهد عاديًا لمن يراه من الداخل، لكنه في ميزان الدول المضطربة مشهد استثنائي، لأن الأمن حين يستقر في حياة الناس يتحول إلى نعمة يومية لا يشعر بها إلا من فقدها.قراءة ما يحدث في المنطقة لا يمكن أن تكون بريئة من فهم تعقيدات السياسة الدولية. فالتاريخ يخبرنا أن الدول الكبرى لا تتحرك بدافع المثالية ومصالح تلك الشعوب التي تتحرك اليها، بل تحركها المصالح الاقتصادية وحسابات النفوذ والتواجد والسيطرة قبل أي شيء آخر.وما نشهده اليوم من إعلان دول كبرى إرسال قوات ومقاتلات وسفن حربية إلى المنطقة، ليس بعيدًا عن هذا السياق. فالمناطق الحيوية في العالم كانت دائما مسرحا لتثبيت النفوذ العسكري والسياسي، وغالبا ما تُرفع شعارات الحماية بينما الهدف الحقيقي هو حماية المصالح الاستراتيجية وإيجاد طرق سهلة للوصول وفرض النفوذ.كما لا يمكن تجاهل أن جزءًا من هذا الحضور الدولي يأتي في سياق حماية إسرائيل وضمان أمنها في المنطقة، وهو واقع سياسي لا يمكن القفز فوقه مهما تغيرت العناوين…العدو يبقى عدوا لا سلام ولا مصالح تربط بينه.. لا ضمان ولا أمان.. وما يتعرض له اهل غزة من حصار وهجوم وتدمير مستمر يثبت غوغائية وهمجية وانانية عدو، فرض فرضا في المنطقة لمصالح الرؤوس الكبرى ! وفي المقابل، لا يمكن القبول بسياسات التصعيد التي تمارسها إيران أو الحرس الثوري عبر إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهي ممارسات لا تزيد المنطقة إلا توترًا، ولا تدفع ثمنها إلا شعوب المنطقة واستقرارها. ومن حق دولة قطر، كما هو حق كل دولة ذات سيادة، أن تتخذ كل الإجراءات اللازمة لحماية حدودها ومجالها الجوي ومنشآتها ومصالحها الوطنية من أي تهديد وتدمير وتعطيل لاقتصادها ودبلوماسيتها. آخر جرة قلم الدبلوماسية الحكيمة لا تعني الغفلة، والسلام لا يعني الضعف. بل إن الدولة القوية هي التي تجمع بين الحكمة في القرار واليقظة في حماية الوطن. وفي زمن الاضطراب والحروب والظروف الاستثنائية، ندرك معنى قوله تعالى: (فليعبدوا ربَّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف).. فالأمن ليس مجرد حالة سياسية…بل نعمة ربانية، ومسؤولية وطنية، وعهد يجب أن نحافظ عليه جميعًا. اللهم أدم على دولتنا وقيادتنا وشعبنا وشعوب المنطقة نعمة الأمن والأمان والاستقرار ورد كيد الاعداء في نحورهم.

279

| 05 مارس 2026

إعادة بناء الروح

يمنحنا الخالق مواسم وشهورا وليالي وأياما. والتي تعد فرصة حقيقية لمن أسرف في الذنوب والمعاصي ولمن ألهته الحياة ورتمها السريع في هرولة وجري خلف ماديات ومجاملات نسي فيها الالتفات لذاته وروحه التي ترافقه. فشهر رمضان ليس شهراً عابراً في التقويم نترقب هلاله وظهوره، ولا موسماً مؤقتاً تتغير فيه مواعيد الطعام والنوم فحسب، بل هو محطة ورحلة روحية عميقة يعاد فيها ترتيب الإنسان من الداخل. في هذا الشهر تبتعد الروح من ضجيج الحياة، وتقترب أكثر من معناها الحقيقي، حيث يصبح الصيام رحلة تهذيب للنفس قبل أن يكون امتناعاً عن الطعام والشراب. إن الجوع والعطش ليسا غاية الصيام، بل وسيلة لإيقاظ القلب وإعادة الإنسان إلى إنسانيته الأولى. في هذا الشهر شهر القرآن يكون الاقتراب والتلاوة وعدد الختمات التي تكون قراءتها مختلفة عن باقي الشهور لأنه شهر القرآن الذي جاء هدى ورحمة للقلوب. الصيام في جوهره تدريب أخلاقي يومي؛ فهو يعلم الصبر حين يشتد التعب، ويغرس ضبط النفس حين تغيب الرقابة البشرية وتبقى رقابة الضمير. الصائم يمتنع عما هو مباح في الأصل، ليتعلم كيف يبتعد عما هو محرم دائماً. وهنا تتجلى حكمة الصيام؛ إذ يتحول إلى مدرسة عملية في تهذيب السلوك، فينتقي الإنسان كلماته، ويخفف غضبه، ويراجع أفعاله، وكأن رمضان يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان وأخلاقه. وفي بيئة العمل، يظهر أثر رمضان بصورة مختلفة؛ حيث تصبح الأمانة أكثر حضوراً، ويتجلى الإحسان في أداء الواجب، لا بدافع الرقابة أو التقييم، بل بدافع الإخلاص. فالصائم الحقيقي يدرك أن العمل عبادة، وأن الإتقان جزء من التقوى، فيسعى لأن يكون عطاؤه أكثر صفاءً وعدلاً ورحمة. وهكذا يتحول رمضان إلى مساحة لإحياء القيم المهنية الرفيعة القائمة على المسؤولية والصدق واحترام حقوق الآخرين. وفي العلاقات الإنسانية، فإن رمضان يعيد ترميم ما أفسدته سرعة الأيام. تتسع القلوب للتسامح، وتلين النفوس للاعتذار، وتعود صلة الرحم كقيمة حية لا مجرد واجب اجتماعي. موائد الإفطار ليست فقط طعاما يجمع الناس، بل جسور محبة تُبنى من جديد، حيث يتذكر الإنسان حاجات غيره، ويشعر بآلام الفقير والمحتاج، فيتحول العطاء إلى شعور صادق قبل أن يكون صدقة. الإحسان في رمضان يتجاوز حدود المال، ليشمل الكلمة الطيبة، والابتسامة، ومواساة القلوب، وتخفيف الأعباء عن الآخرين. إنه شهر يتعلم فيه الإنسان أن الخير ليس فعلاً كبيراً فقط، بل تفاصيل صغيرة تصنع أثراً عظيماً. فكل لحظة رحمة، وكل نية صادقة، وكل عمل خفي، تتحول إلى رصيد روحي يعيد للإنسان توازنه الداخلي. رمضان، في حقيقته، مدرسة سنوية مفتوحة لكل الأعمار؛ يتعلم فيها الطفل معنى الانتظار والانضباط، ويتعلم الشاب قوة الإرادة، ويستعيد الكبير سكينة القلب وطمأنينة الإيمان. فصول هذه المدرسة ليست دروساً نظرية، بل تجارب يومية تعلّم العطاء، وتدرب على الصبر، وتكافئ بالأجر العظيم من الله، ليخرج الإنسان منها وقد أصبح أقرب إلى نفسه وأقرب إلى خالقه. آخر جرة قلم: يبقى المعنى الأعمق للصيام أنه إعادة بناء للروح المتعبة وللروح التائهة والالتفات إليها وتعليمها لقيم تتشابه مع معنى وقيمة الروح العليا، وتجديد للعهد مع القيم العليا التي تسمو بالإنسان وتعامله وحتى رقي صمته وهدوء حضوره. فإذا انتهى رمضان وبقي أثره في الأخلاق والعمل والتعامل، فقد تحقق المقصد الحقيقي للصيام؛ أن نصبح أفضل مما كنا، وأن نحمل نور الشهر معنا إلى بقية العام.

207

| 26 فبراير 2026

غبقات تضيع روحانية رمضان !!

• يقترب شهر رمضان كل عام فنشعر أن شيئاً في أعماقنا يستيقظ قبل أن يعلن التقويم قدومه. تهدأ الروح قليلاً، وتلين القلوب، وكأن الإنسان يستعد داخلياً لاستقبال ضيف مختلف لا يشبه سائر الشهور. فليس رمضان مجرد أيام للصيام، بل محطة إيمانية يمنح الله فيها الإنسان فرصة جديدة لمراجعة نفسه، وترميم ما أرهقته الحياة، والعودة إلى المعنى الحقيقي للسكينة • ومن أعظم نعم الله أن يبلغنا رمضان، وأن يجعلنا من أهله، ممن ينعمون بخيراته وبركته وأجره العظيم. فكم من وجوه شاركتنا رمضان الماضي ولم تعد بيننا اليوم، وكم من أرواح كانت تتمنى أن تُمنح فرصة أخرى لتدركه ورحلت. لذلك فإن الاستعداد الحقيقي لرمضان لا يبدأ بالموائد ولا بالمظاهر، بل يبدأ بالقلب؛ بتوبة صادقة، وبنية تغيير، وبقرار هادئ بأن يكون هذا الشهر مختلفاً عما سبقه. • رمضان مدرسة للنفس قبل أن يكون موسماً اجتماعياً. فيه يتعلم الإنسان الصبر، ويعيد ترتيب أولوياته، ويمنح روحه فرصة للهدوء بعد عام طويل من الانشغال والتعب. • في الصيام تهذيب للنفس، وفي القيام راحة للقلب، وفي الدعاء مساحة صادقة يبوح فيها الإنسان بما أثقل روحه طوال العام وبكل ما يتمناه قلبه من آمال وأحلام. ولذلك لم تكن أيامه ولياليه كبقية الأيام؛ فهو شهر القرآن الذي تتضاعف فيه الأجور، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، ليلة تتبدل فيها الأقدار وتُجبر فيها الخواطر. • ومع قدوم رمضان، وقبله بدأت ملامح الفرح بالظهور في المدن قبل البيوت؛ تتزين الطرق والكورنيش والمجمعات بأضواء الشهر المبارك، فتكتسي الأماكن دفئاً خاصاً يبعث الطمأنينة في النفوس. • يحرص الأطفال مع قدوم شهر رمضان بفرحتهم الصادقة على تعليق هلال رمضان وما يتعلق بالشهر من زينة مضيئة في بيوتهم، وينتظرون أول يوم صيام وكأنه عيد صغير يتكرر كل يوم باجتماع الاسرة على مائدة الإفطار. تلك التفاصيل البسيطة تصنع ذاكرة لا تُنسى، وتغرس في قلوبهم حب رمضان قبل أن يدركوا عمق معانيه. • لكن الخسارة الحقيقية حين يتحول رمضان إلى موسم ازدحام بالمواعيد وحجوزات مبكرة للغبقات والخيم الرمضانية المبالغ فيها، حتى أصبح البعض يحدد لياليه قبل أشهر بين دعوة وأخرى بغبقة «فلانة» وغيرها من غبقات. ليس الخطأ في الاجتماع وصلة الرحم، فذلك من جمال الشهر، لكن حين يطغى الضجيج على العبادة، ويغيب القرآن خلف السهر الطويل، وتتحول الليالي إلى إرهاق لا إلى سكينة، نفقد روح رمضان دون أن نشعر. • رمضان جاء ليعيد الإنسان إلى نفسه، ليمنحه شفاءً من القلق والتعب النفسي، وليذكره أن الطمأنينة لا تُشترى بالمظاهر، بل تُولد من القرب من الله. فيه تُفتح القلوب قبل الأبواب، وتمتلئ بيوت الله بالمصلين، ويشعر الإنسان أن الرحمة أقرب إليه من أي وقت مضى. هو شهر المصالحة مع الذات، وموسم إعادة التوازن الروحي الذي نفتقده طوال العام. • رمضان شهر يحق للجميع أن يفرحوا به، لكن الفرح الحقيقي ليس في الزينة وحدها ولا في كثرة اللقاءات، بل في مضاعفة الأجر، وختم القرآن، وإحياء الليل بالدعاء، والشعور بأن القلب أصبح أخف وأقرب إلى الله. فربما يكون هذا الشهر بداية هادئة لتغيير عميق، أو لحظة صفاء تعيد الإنسان إلى طريق كان يبحث عنه طويلاً. • آخر جرة قلم: السعيد ليس من أدرك رمضان فقط، بل من أدركه رمضان فغيّره، فخرج منه بقلب أكثر طمأنينة، ونفس أكثر صفاء، وإيمان صادق يرافقه بعد انقضاء الشهر، فيبقى أثر رمضان حيًّا في سلوكه وأخلاقه ونظرته للحياة، لأن حقيقة رمضان لا تُقاس بعدد أيامه، بل بما يتركه فينا من نور يستمر بعده. لأن رمضان لا ينتهي برحيله… بل يبدأ أثره الحقيقي في القلوب مبارك عليكم الشهر وكل عام وأنتم بخير

189

| 19 فبراير 2026

Art Basel Qatar والحروف العربية

* حضرت معرض آرت بازل في M7، وكان المشهد مبهرا بكل تفاصيله. حضور أنيق لافت جعلني أبدي إعجابي بالحاضرات، وجوه من ثقافات متعددة، عشاق فن، مؤثرون، وعدسات تنقل الصورة إلى العالم. الدوحة بدت كما ينبغي لها أن تكون: منصة ثقافية عالمية تستقطب الإبداع وتحتفي به. * وكان حضور المعرض على أعلى مستوى، حيث زار المعرض سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وسمو الشيخة موزا بنت ناصر، وسمو الشيخ جاسم بن حمد، ورئيس مجلس الوزراء معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن وسعادة الشيخة المياسة بنت حمد التي جعلت للفن حضورا وأهمية في قطر والعالم. هذا الحضور الرفيع لم يكن بروتوكولا عاديا، بل رسالة واضحة عن قيمة المعرض وأهميته، وعن المكانة التي تحتلها الثقافة والفن في رؤية الدولة. إنه حضور ينقل صورة كبيرة عن قطر، دولة تستثمر في الفكر والإبداع، وتقدم نفسها للعالم بوصفها مركزا ثقافيا عالميا. * لكن وسط هذا الحضور الفخم والجمال، كان يمكن أن يكتمل جمال هذا المعرض بأن تكون اللغة العربية هي اللغة الأساسية.. بينما أتجول بين اللوحات، أقرأ أسماء الفنانين وعناوين الأعمال، ولغة من يقف أمام اللوحات والمعروضات الفنية كانت الإنجليزية هي الأساسية أما العربية، فكانت ثانوية عند تعريف الأعمال والتحدث والمنظمين حتى وإن كانت هناك أجهزة تترجم وتعرف. * هنا لا نتحدث عن ترجمة ناقصة، بل عن سؤال جوهري كيف تصبح لغتنا الرسمية خيارا ثانويا في مساحة يفترض أنها تعبر عنا؟ نحن لسنا ضيوفا في هذا المكان. نحن أصحاب الأرض وأهل البيت المستضيفة لهذا المعرض المميز بحضور الأسماء العالمية فيه. والعربية ليست تفصيلا تجميليا، بل أصل دستوري وثقافي. قانون رقم (7 ) لسنة 2019 بشأن حماية اللغة العربية أكد على أهمية استخدامها في التعاملات والكتابة والتعليم، حفاظا على هوية الأجيال القادمة. فكيف نحميها في النصوص الرسمية، ونغيبها في الفضاءات الثقافية؟ كيف نطالب الأجيال بالاعتزاز بلغتهم، وهويتهم الوطنية ونحن لا نمنحها المساحة المستحقة في أهم منصاتنا؟ * والمفارقة أن عددا من المؤثرين الذين حضروا المعرض نقلوا تفاصيله بعدساتهم إلى الملايين، فظهرت اللوحات والكتب التعريفية كما هي: تعريفات إنجليزية بلا مقابل عربي لاسم الفنان ولا عنوان العمل. انتشرت الصورة على نطاق واسع، ليس فقط بما تحمله من فن، بل بما تكشفه من غياب العربية في مكان يفترض أن تكون فيه حاضرة. وهنا يتأكد أن اللغة ليست تفصيلا هامشيا، بل عنوان حضور وهوية. * استضافة قطر لكأس العالم 2022 لم تكن حدثا رياضيا فقط، بل لحظة تثبيت للهوية. حتى موقع الفيفا أدرج العربية ضمن لغاته الرسمية، وأصبح العالم يقرأ أسماء الملاعب والفعاليات بلغتنا. فلماذا نتراجع نحن في مساحاتنا الثقافية؟ * اللغة ليست تفصيلا. اللغة تعريف وهوية. تماما كما أن اليابان والصين جعلتا سياحة هوية الدولة في كتابة الأسماء للسائحين بلغتهما في الأماكن السياحية لتكون ذكرى تعلق ويحتفظ بها من زيارتهم لليابان والصين، فإن حضور العربية يجب أن يكون بديهيا وحاضرا بجمال نطقة وجمال كتابة حروفه. * وحين حضرت الفنانة العالمية أنجلينا جولي المعرض مرتدية العباية البيضاء المحتشمة، كانت تلك رسالة احترام لثقافة الدولة التي تحل عليها ضيفة. كما نحترم رموزنا في الملبس، يجب أن نحترم لغتنا في المشهد الثقافي. * آخر جرة قلم: لسنا ضد الانفتاح، ولسنا ضد الإنجليزية. العالم متعدد اللغات، والتواصل ضرورة. لكن الانفتاح لا يعني الذوبان، والتنوع لا يعني التنازل عن الأصل. إذا كانت العربية ثانوية في معرض فني يقام على أرضها، فالمسألة ليست تفصيلا إداريا بل نقصاً في ترتيب الأولويات. الهوية لا تفرضها الشعارات، بل تحميها التفاصيل. العربية لا تطلب امتيازا، هي فقط تطلب أن تكون في بيتها… حاضرة.

309

| 12 فبراير 2026

قلوب لا تؤذي..

* النفس البشرية أرض خصبة وساحة واسعة تتقاطع فيها الأفراح مع الهموم، ولا يكاد إنسان يخلو من لحظة ضيق أو غمٍّ أو حزن يثقل القلب. كما لا يخلو من لحظات فرح ترفع روحه المتعبة إلى آفاق أوسع من الأمل والبهجة. نحن مخلوقون بين مد وجزر، بين انكسار يقربنا من الله، وراحة تذكرنا أن في الحياة متسعا للجمال مهما ضاقت. * وفي كثير من اللحظات يشعر الإنسان بغربة عميقة، غربة لا تراها العيون لكنها تسكن القلب، فيحس أنه وحيد في هذا الكون، لا سند له إلا الخالق سبحانه وتعالى. وحدة تعصف به وتؤلمه، وتدفعه إلى الرجوع لدفتر الذكريات، يتصفح الأسماء والوجوه والمواقف التي صنعت في يوم ما ابتسامة صادقة، فيعيشها وكأنها اللحظة ذاتها. ليست هروبا من الواقع، بل بحثا عن دفء افتقده وسط قسوة الأيام. * يسافر الإنسان إلى أعماقه، يتأمل أفكاره وصوره القديمة، ويتوقف عند لحظات عاشها بحب وصدق. ينظر إلى ملامحه حين كان مطمئنا، ويصغي لنبرة صوته، لأن صوت الإنسان انعكاس صادق لما في داخله، يكشف توتره أو سكينته دون عناء شرح. هذه الرحلة الداخلية غالبا ما تكون ملاذا حين يفقد الإنسان إنسانية بعض من حوله. * فمن البشر من قست قلوبهم وغلظت أرواحهم، قسوة في الكلمة والموقف والتعامل. يفتقدون المعنى الحقيقي للإنسانية، فتراهم متجهمين، نبراتهم عالية، ومواقفهم سلبية، لا يعرفون معنى الرحمة ولا قيمة الرفق ولا جمال التسامح. وجودهم يرهق الروح، ويطفئ الفرح، ويزرع ثقلا لا سبب له إلا فراغ القلوب. * وهنا يدرك الإنسان حقيقة مهمة، أن عمق الروح والروحانية ليس صفة لكل من ينتمي لجنس بني آدم. الرحمة هبة من الله، رزق يقذفه الرحمن في قلب من يشاء. لذلك نجد بشرا دون غيرهم يحملون هذا النور، فتشعر بالراحة في حضورهم، وبالطمأنينة في حديثهم، مهما اشتدت ظروفهم أو تعقدت أيامهم… فهم يحملون رزقا عظيما من صفات الرحمة.. * الرحمة والتسامح والرفق قيم راقية يجب أن يتحلى بها الإنسان في كل مراحل حياته. رحمة لا تقتصر على إنسان دون آخر، بل تمتد لكل المخلوقات، للضعيف قبل القوي، وللإنسان والحيوان والنبات. رحمة تتجلى في كلمة طيبة، وفي تعامل عادل، وفي ستر وتقدير واحترام للاختلاف. رحمة تعكس معنى الإنسان الحقيقي. * وقد بعث سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، رحمة شملت الصغير والكبير، والصالح والمذنب، وحتى من خالفه، فكان لخلقه العظيم أثر بالغ في هداية القلوب. * آخر جرة قلم: الرحماء ملامحهم مختلفة، ونبرة أصواتهم مختلفة، وحضورهم يرمم دون ضجيج. هم قلوب من نور بين الناس. وإن كانت الرحمة تتوزع بين العباد، فالله سبحانه أرحم الراحمين، يقسم رحمته كيف يشاء، ويدخل رحمته من يشاء. نسأله أن يجعلنا من أهلها، وأن لا يقسو قلبنا مهما قست الحياة.

243

| 05 فبراير 2026

غبقات تسرق الروح

• أسابيع وأيام قليلة تفصلنا عن قدوم شهر رمضان المبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر القرآن، وشهر تتعاظم فيه الأجور، ويكون الإقبال على الله بالطاعات والعمل الصالح أقرب لمن أراد. • يأتي هذا العام في فصل الشتاء، حيث الليل أطول من النهار، وهذه ميزة ربانية لمن يعرف قيمة الوقت؛ قيام أطول، وخلوة أهدأ، وفرصة أوسع لقراءة القرآن والدعاء ومراجعة النفس. • رمضان ليس مجرد أيام تتكرر، بل هو غذاء للروح، وتجديد للإيمان، وشحن داخلي يمتد أثره لشهور لمن أحسن استقباله واستغلاله. هو مدرسة تربي فينا الصبر والانضباط، وتؤهل النفس للاستمرار في الطاعات دون كلل وملل، فلا يكون الإقبال مؤقتا ثم يذبل بعد العيد. • لكننا، مع الأسف، نعيش مفارقة تتكرر كل عام. ما إن يقترب الشهر الفضيل حتى تبدأ حركة مختلفة عن روحه ومعناه. كنا خلال الشهور الماضية في موسم الأعراس والمناسبات السعيدة، ودخل بينهما موسم البر والعنات والتخييم والاستمتاع بأجواء الشتاء الجميلة. ثم قبل رمضان بأسابيع تبدأ القنوات في الإعلان عن إنتاج مسلسلاتها، وتشتعل الإعلانات عن معارض الجلابيات ولوازم الشهر وليلة القرنقعوه، وكأننا نتهيأ لموسم منافسة لا لموسم عبادة. • ثم تأتي الغبقات. لا كاجتماع عائلي دافئ يرمم صلة الرحم ويؤلف القلوب، بل كاستعراض مبالغ فيه لدى البعض. حجوزات قاعات، وجدولة مواعيد مبكرة حتى لا تتعارض الدعوات مع دعوة زميلة أو صديقة، وتحضيرات تشبه تنظيم حفلات الزفاف، لكن بلا عروس ولا معرس. غبقات تدار بمنظمين، وتصوّر بفخامة، وتبنى على مقارنة وتنافس، لا على بساطة حضور وروحانية. • تتسع دائرة المبالغة لتشمل كل شيء. هدايا رمضان، سفرته، الخيم الرمضانية، الدعوات السنوية التي تقام أحيانا لا لأجل الألفة بل لأجل التصوير وطلب الشهرة، حتى صار الشهر عند البعض مساحة للظهور أكثر من أن يكون مساحة للحضور مع الله. • وننسى أن في رمضان كنزا لا يعوض؛ العشر الأواخر، وليلة القدر، ودمعة خفية في سجدة، ودعوة صادقة في قيام. كم سمعنا من ندم البعض بعد انقضاء الشهر لأنه أضاع جماله وروحانيته في لهو، ومشاهدة مسلسلات تعاد وتتكرر، وسهرات لا تبني في القلب شيئا. وكم من أرواح عزيزة وغالية غادرتنا ولم تبلغ الشهر، ولم تدرك صلاة التراويح، ولا لذة الختمة، ولا شرف المسارعة للخير ولا عمرة في رمضان. • يلح في القلب سؤلا. متى تعود روحانية رمضان كما كانت؟ متى يعود جمال الاجتماع البسيط الذي يليق بشهر عظيم؟ متى تعود الأطباق المتواضعة التي تنتقل وتوزع على الجيران، فيشعر الفريج أن رمضان يمر عليه بالخير لا بالمظاهر؟ ومتى يعود الأطفال، في جو الشتاء الجميل، للاحتفال بليلة القرنقعوه ببراءتهم لا بعدسات الهواتف؟ بحلويات ومكسرات تقليدية، ولفة على بيوت الفريج والجيران، يطرقون الأبواب ويضحكون بصدق. رمضان لا يحتاج إلى فخامة لكي يكون جميلا، جماله في معناه. فلنجعل استعدادنا هذا العام استعدادا يليق بالشهر. قلبا قبل القاعة، وصلة قبل الصورة، وعبادة قبل الاستعراض. ولا نضيعها بين غبقات تقتل الروحانية في الروح.

369

| 29 يناير 2026

البذخ في أعراس النساء وغياب الهوية!

لم يعد الزواج عند كثيرين لحظة بناء بيت وميثاق غليظ كما أرادته القيم والدين، بل تحول تدريجيا إلى ساحة منافسة واستعراض، تتقدم فيها الصورة على المعنى، والواجهة على الجوهر، والبذخ على البركة. نجد في أعراس النساء تحديدا، مشاهد وصورا تتكرر بغرض التباهي والتصوير..واستعراض أشكال العطور، وعربات تتزاحم عند المدخل وفي الصالة، عربات حلوى ومشروبات بمبالغات لا تتناسب مع طبيعة المناسبة، إلى جانب قائمة طعام فندقية مختارة ومكلفة ولا تجد من يتذوقها ليكون مكانها الرمي بإسراف منهي عنه..! تختم الحفلة بعادات جديدة بتوزيع وجبات أطفال وبورغر وبطاطا مقلية..توزع وكأنها نهاية ساخرة لوليمة يفترض أنها وُضعت بعناية وبأثمان مرتفعة! كل ذلك يخرج بالفرح من معناه الحقيقي إلى دائرة الاسراف والإنفاق المبالغ فيه، وكأن الهدف لم يعد زواجا وبداية حياة، بل حدث ضخم يصنع “لقطة” ويحقق “ضجة”. تأتي هذه المقدمة في ظل قرار منع عربات القهوة في قاعات أعراس الرجال، بذريعة أنها تخالف العادات والتقاليد وتدفع للاسراف. وهنا يبرز السؤال بوضوح..لماذا تُناقش مظاهر بعينها في جانب، بينما يُغض الطرف عن سوق كامل من المبالغات في جانب آخر؟ وهل الهوية الوطنية والاسلامية حكر على جنس الرجال فقط؟ الهوية لا تتجزأ، وهي لا تنطلق من الرجال وحدهم، بل تبدأ من المرأة زوجة وأما وأختا وابنة، ومن داخل البيت تحديدا تتشكل الاخلاق والذائقة والقيم وحدود المقبول. ما نراه اليوم في كثير من الأعراس ليس مجرد رفاهية، بل تقليد للغرب وتقاليد دخيلة وعادات لا تشبهنا، فقرات ومظاهر لا تتوافق دينيا ولا اجتماعيا، ناهيك عن التصوير لكل صغيرة وكبيرة من اجل الانستغرام والشهرة وطلبا لتحقيق ذات مزيف..يبدأ من تصوير المنظم وكأنه بطل الحكاية، تصوير مدربة المظهر والحركة، تصوير المصورين، ثم الاكثر خطورة.. تصوير جسد العروس بتفاصيل خاصة جدا، فستانها، مجوهراتها، حذاؤها، لحظة ارتداء الفستان مع اخفاء الوجه، وعبارات دخيلة على “بروب” مكتوب عليه العروس bride وكأن الخصوصية تحولت إلى محتوى للبيع والعرض. لماذا وصل بنا الحال إلى تكرار الترويج لافراح وأجساد العرائس؟ ومن الذي فتح الباب لتحويل ليلة الزواج إلى منصة اعلان ومزاد نظرات؟ وتزداد الظاهرة حدة حين يقرر البعض الزواج في قصور وأماكن خارجية في دول أجنبية، وكأن الوطن لا يملك قاعات تنظيم ولا قائمة طعام ولا مذاق شوكولاتة وحلويات يضاهي ما هناك. الحقيقة ان الهدف عند بعضهم لم يعد فرحا كريما، بل “شهرة” وتباهٍ وتنافس.. بين صغار العقول..زواج في ايطاليا او فرنسا او جزر المالديف. ثم نسمع في المقابل قصصا مؤلمة..ملايين تدفع، والنهاية طلاق سريع، وتبقى الفاتورة الثقيلة على الاسرة والنفس والسمعة. من هنا، تصبح القضية جديرة بمناقشة جادة تحت قبة مجلس الشورى، بوصفها ظاهرة اجتماعية واقتصادية وقيمية تمس استقرار الاسرة. المطلوب ليس تجريم الفرح ولا التضييق على الناس، بل حماية الفرح من التحول إلى اسراف. نحتاج إلى توصيات واضحة بالتنسيق مع الجهات المعنية..تحديد سقف منطقي لانفاق قاعات الافراح، تنظيم عدد المدعوين، منع الاضافات المتضخمة من عربات ومشروبات وتوزيعات لا معنى لها، ووضع ضوابط صارمة للتصوير والنشر خاصة ما يمس خصوصية العروس وكرامة المناسبة. كما ينبغي الوقوف أمام بعض ممارسات المنظمين، حين تتحول “الباقات” إلى شروط ملزمة لادخال مشاريع منزلية محددة ضمن الاتفاق، في تعاون ربحي يفرض على الاسرة دون حاجة. آخر جرة قلم: اننا لا نحمي جيلا بتعليمات جزئية، ولا نصون الهوية بقرارات انتقائية. نحن بحاجة إلى وعي مجتمعي وتشريع تنظيمي يعيد الاعتبار لمعنى الزواج..سكينة ورحمة وستر، لا استعراض وديون ومحتوى. فاذا سمحنا للدخيل أن يتمدد بلا ضابط، سيأتي يوم نجد صغار العقول يطلبون ما هو ابعد، ويبحثون عن “الاختلاف” بأي شكل، حتى لو وصل بنا الخيال إلى زواج في كنيسة. وحينها لن ينفع الندم، لأننا ببساطة تنازلنا خطوة بعد خطوة عن قيمنا، حتى تلاشت الحدود…لنستيقظ وندرك خطورة هذه الأمور الدخيلة والتصرفات التي تمس اعلى قيمة في المجتمع وأعلى ميثاق الزواج وتكوين أسرة صالحة..

780

| 25 يناير 2026

alsharq
ما بين ضفتي الخليج

في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات...

10149

| 06 أبريل 2026

alsharq
القشرة اللامعة.. وهم المعرفة السطحية

في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت...

3177

| 05 أبريل 2026

alsharq
الأعمال المحظورة على الموظفين

إن تعيين الموظف بجهة إدارية أو حكومية يستلزم...

1533

| 06 أبريل 2026

alsharq
الإدارة الخضراء.. يولد جيل أخضر

في بيتنا لم تكن تلك العلب تُرمى بسهولة،...

1125

| 03 أبريل 2026

alsharq
من لفتة كريمة.. إلى أثر لا يُنسى

في مشهد يعكس عمق الرؤية وسمو الاهتمام بالإنسان،...

1008

| 06 أبريل 2026

alsharq
على أرض صلبة

في عالمٍ تموج فيه الأزمات، وتتعثر فيه الدول...

783

| 08 أبريل 2026

alsharq
حضانات مقار العمل.. رؤية تنظيمية

منذ سنوات والحديث مستمر في مجالسنا ومؤسساتنا الإعلامية...

681

| 08 أبريل 2026

alsharq
هل المتلقي سقط سهواً؟ نحو إعلام أزمات في قطر يفهم جمهوره

حين تضرب الأزمة، يتحرك الإعلام. تُفتح غرف الأخبار،...

666

| 09 أبريل 2026

alsharq
غادر.. بكرامتك!

التجاوز ليس ضعفًا كما يُظن، بل مهارة نجاةٍ...

597

| 06 أبريل 2026

alsharq
الخطأ النووي

في مقال سابق أحبائي القراء كتبت عن موت...

579

| 05 أبريل 2026

alsharq
حلم المشروع الذي تمنيت ألا ينتهي

في ليلة من ليالي رابع أيام عيد الفطر،...

564

| 05 أبريل 2026

alsharq
قل لي ماذا حققت؟ سأقول لك من انتصر

في الحروب الكبرى، لا يكون السؤال الأهم: من...

564

| 10 أبريل 2026

أخبار محلية