تاريخ النشر : الاثنين ١٩ يوليو ٢٠١٠
  
  
   
الخميس | الاربعاء | الثلاثاء | الاثنين | الاحد | السبت | الجمعة |
      
النرجسية.. حب للذات بلا حدود.. شخصية تسعى إلى النجومية والنجاح والتألق على حساب الآخرين
2010-05-14


تميل دائماً إلى إعجاب الآخرين ومدحهم المستمر ولا تقدر حقوقهم
مها عزت
"النرجسية" صفة قد تكون محببة لمن يتصف بها، وقد تكون مصدر استياء له أيضا حتى وإن كان هو "نرجسيا"بالفعل، فهي صفة غير حميدة في كل الأحوال، وتدل على تعال واستكبار من تكون شخصيته "نرجسية" وتدلل أيضا على تفضيله للذات عما سواها.
الإنسان لا يستطيع أن يحيا وحده أو أن يعيش منفردا أو بمعزل عن الآخرين لأنه كائن اجتماعي بفطرته، إلا أنه قد يواجه العديد من المشكلات جراء التعامل مع هؤلاء، فهو لا يحيط بكل صفاتهم ولا يفهم كل تصرفاتهم، الأمر الذي يحتاج إلى علم ومهارة حتى يتمكن من فهم مفاتيح الشخصيات وتوقع نمط سلوكها الحالي والمستقبلي، علما بأن هناك مجموعة من الشخصيات يصعب التعايش معها، وأخرى يمكن التعايش معها في ظل وجود بعض المتاعب والمشكلات، ومن هذه الأنماط "الشخصية النرجسية" المشتق اسمها من الأسطورة اليونانية التي أشارت إلى "نرجس" الفتى الذي كان يتمتع بحسن بديع وجمال لا يضاهى، وكان يعرف عن نفسه أنه أجمل من على الأرض، وكانت هذه الفكرة تبهجه، وفي أحد الأيام وبينما كان ينظر إلى سطح مياه أحد الأنهار وقعت عيناه على صورته التي لم يكن يعرف أنها صورته، فانبهر بالجمال الذي رآه وأخذ ينظر بافتتان، ثم وجد نفسه بعد فترة حزينا لأنه لم يعد أجمل البشر كما كان واستمر ملاصقا لضفة النهر لا يأكل ولا يشرب حزنا على الوضع الجديد حتى ذبل ثم تحول تدريجيا إلى الزهرة التي نعرفها جميعا تحت اسم "النرجس".
الدكتور محمد عبد الفتاح المهدي –أستاذ الطب النفسي واستشاري العلاقات الزوجية والأسرية- يقول: يحدث في بعض الأحيان خلل في منظومة الحياة الزوجية يكون سببه مشكلة في أحد الزوجين أو كليهما، أو مشكلة في توافقهما أو مشكلة في طبيعة العلاقة بينهما، منها أسباب شخصية بمعنى اضطراب شخصية أحد الزوجين أو كليهما، حيث هناك بعض سمات الشخصية الأقرب للفشل في الحياة الزوجية، وهذه السمات والأنماط الشخصية قد توجد في الزوج أو الزوجة على حد سواء، منها الشخصية النرجسية، وهي شخصية تمركز صاحبها حول ذاته، أناني الطبع، طاووس منفرد، ساع إلى النجومية والنجاح والتألق وحده على حساب الآخرين الذي يستخدمهم لتحقيق نجاحه حتى إذا استنفدوا أغراضهم ألقاهم على قارعة الطريق وبحث عن غيرهم، ويضيف استشاري الطب النفسي: الأمر الذي يتطلب الفهم الجيد للنفس البشرية بما تحويه من جوانب مختلفة إيجابية وسلبية، فأغلب الناس لديهم قصور في فهم هذه النفس، وهناك البعض الذي يكوّن التصورات المسبقة وغير الواقعية لشريك الحياة، وعندما لا يحقق الشريك هذه التوقعات نجدهم في حالة سخط وتبرم، فهم لا يستطيعون قبول الشريك كما هو ويحبونه كما هو، وإنما يريدونه وفقا لمواصفات وضعوها له، فإن لم يحققها سخطوا عليه وعلى الحياة، وهؤلاء يفشلون في رؤية إيجابيات الشريك لأنهم مشغولون بسلبياته ونقائصه، ويشدد: ومثل هذا النوع من الشخصيات من شأنه أن يضر حياته الأسرية سواء مع شريكه أو أبنائه، لأن الحياة الزوجية يفترض فيها أنها أبدية، وأبدية هنا لا تعني استمرارها فقط في حياة الزوجين بل تعني أيضا امتدادها في الحياة الآخرة بشكل أكثر روعة وإمتاعا في حالة كونهما زوجين وفيين مخلصين صالحين، ومن المؤكد أن مثل هذه الاضطرابات الشخصية لها أثر سلبي كبير على أبدية هذه العلاقة الزوجية والتي هي ضرورة لإشباع حاجات الطرفين من السكن والمودة والرحمة وما يتفرع عنها من حب ورعاية واحتواء وارتواء، والشخص النرجسي يعلو عنده صوت الأنا فيفقد الأبناء الجو الأسري الدافئ المستقر المطمئن، خاصة أن طفولة الإنسان هي أطول طفولة بين المخلوقات، ولذلك تحتاج لحضن أسري مناسب يمنح الأبناء ما يحتاجونه من أمان وحب وتقدير، ويضيف دكتور المهدي: مثل هذه الأسباب الشخصية لفشل العلاقة الزوجية تزيد بشكل خاص في هذه الأيام نظرا لما يرتديه الناس من أقنعة تخفي حقيقتهم، ونظرا لعدم أو ضعف معرفة الطرفين ببعضهما قبل الزواج، وصعوبة المعرفة عن طريق سؤال الأقارب أو الجيران، حيث ضعفت العلاقات بين الناس ولم يعد لديهم تلك المعرفة الكافية بشخصهم.
بينما تؤكد الدكتورة فاطمة الشناوي – خبير العلاقات الأسرية– أن الشخصية النرجسية نوع من الشخصيات يتسم بحب الذات والتمركز حولها، يميل دائما إلى إعجاب الآخرين به وتلقي كلمات المدح والإعجاب منهم، تتصف بالأنانية المفرطة ولا تقدر حقوق من حولها، و أن النرجسية ليست مرضا نفسيا وإنما هي اضطراب في الشخصية في حال زيادة أعراضها على الشخص، وتؤثر مثل هذه السمات على صاحبها ومن حوله، فالمفترض في البيت ومعاملة الطرف الآخر والأبناء أن يشاع الحب والإيثار والعطاء المتبادل؛ إلا أن النرجسي معجب بذاته ومتمحور حولها، يهتم بكل ما يخص نفسه ولا يستطيع أن يحب أحدا؛ لكنه يطلب الحب والتقدير والتكريم من كل الناس، ويشعر بأنه محور الكون وأن ذاته مقدسة مما يؤثر بالسلب عليها وعلى كل من حولها سواء في محيط الأسرة أو العمل أو الشارع والمجتمع ككل، وتنتقل د.فاطمة إلى أهم الأسباب التي قد تولد للمجتمع شخصا نرجسيا، مشيرة إلى دور الأم والأب منذ الطفولة، حيث تكمن أهمية وخطورة الخلل في التربية في مثل هذا الوضع، وشددت على أن الشخص النرجسي غالبا ما يكون طفلا وحيدا، حاسس بذاته، كل طلباته مجابة، مدلل إلى أبعد الحدود، يسعى الوالدان إلى إرضائه بشتى الطرق، وكثيرا ما يتلقى الإعجاب منهم فهو مركز اهتمامهم الأوحد.
وفي دراسته عن "اضطرابات الشخصية النرجسية" يرى الدكتور حسان المالح – استشاري الطب النفسي، وأستاذ محاضر في الجامعة العربية الدولية - أن مصطلح النرجسية يستعمل عموما بالمعنى السلبي، وأنه يقترن بالأنانية وحب الذات المفرط والشخصية المدللة التي لا تتحمل المسؤولية ولا تعطي بل تأخذ دائما، وأشار إلى أن المصطلح في الجانب الآخر يستعمل بمعنى حب الذات الطبيعي والاعتيادي وأننا جميعا لدينا رغبات نرجسية تحتاج إلى الإشباع، وأن الدوافع النرجسية وحب الذات موجودة من الطفولة، ومن الضروري إشباعها وتلبيتها، وأضاف أن موضوع النرجسية قد يطرح بشكل كمي ونسبي؛ أي أن هناك درجة طبيعية مقبولة وضرورية من النرجسية عند جميع البشر، لكنها عندما تزيد في كميتها وشدتها فإنها تصبح مرضية وضارة ومؤذية، مما يطرح أهمية الجهود للحد من النرجسية المفرطة والوقاية منها وتعديل الأساليب التربوية والقيم التي تؤكد على الفردية والأنانية، ونوه استشاري الطب النفسي إلى متغيرات عصرنا الحالي حيث يزداد الاهتمام بالفردية والشكل والصورة والتجميل؛ والذي قد يساهم في ازدياد السلوك النرجسي، وتطرقت الدراسة إلى تحليل تفاصيل سلوك الفتى "نرجس" صاحب الأسطورة موضحة أن حبه المفرط لذاته قد أدى إلى موته وأن حب الذات المفرط يؤدي إلى الغيرة الشديدة والغضب والعدوان والموت.
أكدت أن مصطلح اضطرابات الشخصية النرجسية في الطب النفسي يشير إلى اضطراب مزمن وشامل في الشخصية، وله صفاته وملامحه السلوكية، وأن حوالي 1% من الناس، و 2, 16% من العينات العيادية من الشخصيات النرجسية، وشدد د.المالح على أن أسباب اضطرابات الشخصية النرجسية لاتزال غير معروفة على وجه الدقة إلا أن البعض أرجعها إلى أسباب منها السلوك غير المتوازن وغير المتوقع من الأهل، حيث التدخل الزائد من الأهل، والتقييم المفرط منهم والإعجاب الزائد وغير الواقعي بالابن، والإيذاء النفسي للطفل، والتشجيع الزائد للسلوك الجيد والتوبيخ الزائد للسلوك السيئ؛ حيث يساهم ذلك في تكوين ردود فعل خاصة واهتمام زائد بالذات وبحبها، وخلصت الدراسة إلى أن النرجسية تشير إلى وجود علاقة مضطربة مع الوالدين؛ حيث يفشل الأبوان في بناء علاقة متعاطفة وثابتة مع الطفل، وهذا يؤدي إلى شعوره بأنه غير مهم وأنه غير مرتبط بالآخر، ويولد ذلك اعتقاده بأن لديه عيوبا في شخصيته تجعله دون قيمة وغير مرغوب فيه، وكأنها تعويض مرضي عن تلك المرحلة فيحب نفسه.




  

هل تؤيد توحيد رؤية الهلال بين جميع الدول الاسلامية؟
 نعم
 لا
 لا أدري


    Website Design and Development by NetDesignPlus ltd 2010 © Al Sharq . All Rights Reserved