القلق الإيجابي مؤشر النجاح والتفوق الدراسي...تتزايد معدلاته في فترة الامتحانات خوفا من تحقيق نتائج سيئة
2010-01-29
- التقييم السلبي وتوبيخ الآباء والعقوبات الصارمة تعرض الطالب لردود الأفعال المرضية
مها عزت
الامتحان الدراسي أحد المواقف الصعبة التي يتعرض لها الطالب، فهو ما يحدد قيمته كإنسان لكونه تقييما مباشرا لشخصيته وقدراته وذكائه، الأمر الذي دفع بالتوتر ليكون إحساسا أو شيئا طبيعيا في الفترة المصاحبة للامتحانات.
القلق والتوتر ينقسم ليصنف بين الطبيعي" الإيجابي" والمرضي "السلبي"، وأنه قد يلعب دور المنشط، أو قد يتجاوز هذه الحالة الطبيعية فيصبح عائقا نفسيا للاجتهاد، كما أكد خبراء التربية والصحة النفسية والطب النفسي أن التوتر المرضي يؤثر على الحالة الفيسيولوجية للجسم وذلك بإفراز عدة مواد كيميائية من المخ تؤثر على مركز المناعة مما يجعل الطالب قابلا للتعرض لأي مرض عضوي، مع الشكوى المستمرة من الإجهاد الجسدي الكبير،وانخفاض قوة التركيز والذاكرة، فإذا كنا جميعا نتفق على أن القلق من الامتحانات مشكلة يجب أن نتداركها، إذن فمتى يكون القلق نحوها قلقا إيجابيا، وكيف نحوله إلى رابط وثيق يربط الطالب بالنجاح.
يرى الدكتور محمد عبد الفتاح المهدي – استشاري الطب النفسي – أنه على الرغم من أن قلق الامتحانات ظاهرة عامة تصيب كل الناس تقريبا بدرجات مختلفة وبالرغم من أن القلق بدرجاته المعقولة ربما يعتبر حافزا للدراسة والإجادة ؛ إلا أنه في بعض الأحيان يتجاوز هذه الحدود المفيدة والمحفزة ويصبح عائقا أمام عملية التعلم ويؤثر تأثيرا شديدا على الأداء في الامتحانات، رغم أن الطلبة يكونون قد بذلوا جهودا هائلة في المذاكرة طوال العام، والقلق ليس قاصرا على الطلاب فقط، بل يشمل أيضا الآباء والأمهات وربما يكون الأخيران من مصادر القلق الهامة لدى الأبناء دون أن يدروا، ويشدد: ليس هدفنا إزالة قلق الامتحانات، فقد ثبت أنه مفيد في درجاته المعقولة؛ لكن الهدف هو تخفيض حدته وتعلم مهارات السيطرة عليه حين يتجاوز حدوده المفيدة، وهذا ما يجعلنا نتحدث عن القلق باعتباره يمكن أن يكون أحد احتمالين، الأول: أن يكون إشارة تحذير لكي نقوم بفعل أشياء يتوجب علينا فعلها أو حل مشاكل تتطلب المواجهة، أما الثاني: فهو احتمال أن يكون تشويشا للعقل وتعطيلا لملكاته.
ويسترسل استشاري الطب النفسي مشيرا إلى أن لقلق الامتحانات أعراضا عديدة تنقسم في مجملها إلى ثلاث مجموعات رئيسية هي: الأعراض النفسية، والجسمانية، وأعراض التفادي وسلوكيات التعويض، النفسية: مثل التوتر، والأفكار السلبية حول الذات ( الشعور بالدونية وعدم القدرة على تحقيق النتائج)، وكذلك الخوف والترقب، أما الجسمانية: مثل الشعور بالتعب والإرهاق، والصداع والشد العضلي وغيرها كثير، وعن أعراض التفادي والتعويض: فمنها عدم الذهاب إلى المدرسة، الخوف من المواجهة، كثرة النوم ليلا ونهارا والانشغال بأشياء أخرى. ويزيد المهدي: والقلق السلبي قد يؤثر على العمليات العقلية كأن يؤثر على الذاكرة (حيث التأثير على كفاءة الاستقبال والتخزين والاسترجاع)، والتأثير على التفكير، إلى جانب الإصابة بظاهرة فراغ العقل؛ والتي تتضح في بعض الطلاب الذين يبذلون جهدا كافيا في المذاكرة ولكنهم في بعض الأوقات وخاصة قبل الامتحان بأيام قليلة أو أثناء الامتحان يشعرون وكأن عقلهم أصبح فارغا تماما من المعلومات، ولكي يتغلب الطالب على القلق عليه أن يعدل من أفكاره واتجاهاته نحو القلق بأن يبني أفكارا إيجابية حين يشعر بالقلق وزيادة الضغوط؛ كأن يعي جيدا أن قلقه هنا طبيعي فلا يفزع منه، وأنه ليس هناك خوف من خبرة يكتسبها من مواجهة أعراض القلق، وأنها مجرد تجربة والنجاح فيها يعطي ثقة في النفس وفي المستقبل الشخصي، وأن عدم النجاح يحفز لمحاولات أخرى أكثر فاعلية، وأن يؤمن بأهمية المحاولة وبذل الجهد والتعلم من الأخطاء، ويؤكد أستاذ الطب النفسي: على الطالب أن يشجع ويحفز نفسه بإشعارها أنه يستطيع التحكم في بذل الجهد ولا يستطيع في كل الأحوال التحكم في النتائج.
في الوقت الذي أكد فيه الباحث الدكتور محمد عيسوي الفيومي – دكتوراه التربية والصحة النفسية – أن القلق لا يعترف بسن، فهو لا يصيب الكبار فقط وإنما يصيب الصغار أيضا، فالقلق قد يكون مشكلة في حد ذاته لا بد أن نتداركها كأسر وطلاب، خاصة إذا أدركنا أنها في كثير من الأحيان قد تكون مشكلة متأصلة بجذور ممتدة لسن الطفولة، وتتزايد معدلات القلق خلال العام الدراسي وعلى وجه الخصوص خلال فترة الامتحانات نتيجة الخوف من العقاب الذي يتعرض له الطفل في حالة عدم اتمام الواجب الدراسي أو مذاكرة الدروس، لذلك أصبح القلق ملازما لأطفالنا وشبابنا، ونحذر نحن – خبراء تربية الطفل – من التقييم السلبي لما ينجزه الأطفال، وتوبيخ الآباء لهم باستمرار على ما يصدر عنهم من أفعال، لأن هذا يعرضهم للقلق كما تشكل دوافع الطفل الذاتية ورغباته مصدرا من مصادر القلق لديه لأنها تكون عادة موضع عقاب من الوالدين. وعن الجوانب السلبية للقلق باعتباره مشكلة لابد من حلها أضاف خبير التربية والصحة النفسية: القلق هو حالة جسمية ونفسية تقترن باضطرابات فسيولوجية مختلفة تغشى الأجهزة الداخلية جميعا، فضلا عن إثارة بعض الغدد الصماء، وقد تؤدي زيادة إفرازها إلى بعض الأضرار في حالة استمرار القلق، ويؤدي ذلك إلى حدوث بعض الأمراض مثل ارتفاع ضغط الدم أو الربو، أو السكر والصداع النصفي وغيرها، وقد دلت أبحاث دقيقة أجريت على فريق من المصابين بضغط الدم الجوهري على أنهم يعانون القلق، فهي أمراض جسيمة ترجع في المقام الأول إلى عوامل نفسية سببها حالات القلق.
ولفت د. الفيومي إلى أنه ينبغي على المهتمين بتربية النشء أن يعملوا على غرس القيم الدينية الراسخة لديه، لأن ذلك من شأنه تدعيمهم بالأمن والسكينة، فيصبح الطفل مستقرا في نومه ويقظته، كما ينبغي توفير طفولة سعيدة لأبنائنا، لأن ذلك يؤثر في مراحل العمر المتأخرة، والعمل على إشباع نفوسهم بالحرية والحب والأمن، وتهيئة مناخ مناسب لممارسة الهوايات، وتوفير القدوة الحسنة لدى الطفل، ويشدد: كما ينبغي الابتعاد عن العقاب البدني للطالب أو التلميذ أو مقارنته بالآخرين ؛ لأن لكل منهم ظروفه الخاصة وفق مبدأ الفروق الفردية، وعدم الضغط عليه بواجبات دراسية تفوق طاقته وتثقل كاهله وتفوق قدراته.
و من جانبه يؤكد الدكتور حسان المالح – استشاري الطب النفسي – في دراسة له أبرز أهم نتائجها تحت عنوان ( الطلبة والامتحانات والصحة النفسية )، أنه تختلف درجة التوتر والقلق التي تسبق الامتحان أو التي ترافقه، بين شخص وآخر وفقا لتركيبته النفسية وثقته بنفسه وظروفه العائلية والاجتماعية المحيطة، والحقيقة " إن قليلا من الخوف والقلق لا بأس فيه"؛ لأنه طبيعي؛ والقلق الطبيعي ينشط الجهود الإيجابية للإنسان كي يتعامل مع الأمور الهامة والصعبة ومن ثم السيطرة عليها والنجاح فيها، وعن الأعراض الشائعة التي تسبق الامتحانات يقول د. المالح: تأكد أن هذه الأعراض، أعراض جسمية ونفسية ؛ وأنها كلها تعبيرات عن ازدياد القلق والخوف والتوتر، وأهم هذه الأعراض الصداع ونقص الشهية وآلام البطن والإحساس بعدم التوازن، وأما الأعراض النفسية الصريحة فهي الترقب والخوف وتوقع الفشل وصعوبات النوم، إضافة إلى العصبية والتوتر ونقص التركيز،. وأشار إلى أنها كلها أعراض للقلق السلبي،و أنها أعراض مزعجة وقد تكون معطلة للطالب، ومنه شددت الدراسة على ضرورة الاطمئنان من قبل الطلبة وأهلهم، وأوضحت أن المطلوب هو السيطرة على هذه الأعراض والتخفيف منها بالدعم النفسي والتفاؤل والتشجيع، مع التخفيف من الأمور التي تزيد القلق مثل المشروبات المنبهة ( الشاي، والقهوة، والكولا، والشيكولاتة )، وعليه لابد من تنظيم الوقت ما بين المذاكرة والدراسة وأوقات الراحة والنوم، على أن يأخذ الطالب بأسباب النجاح، ويعدل من الأفكار الخاطئة والمحيطة ويتبنى أفكارا صحية وواقعية وعملية، ولفتت الدراسة إلى أن الأشخاص الذين يزداد خوفهم وقلقهم من الامتحانات يكونون عادة ممن يشكون من صراعات نفسية تتعلق بالتنافس والنرجسية ( حب الذات ) والطموح والمثالية، بسبب تكوينهم الذاتي أو تربيتهم، وأنهم عادة ما يكونون من المتفوقين والحساسين، وأن الخطر يكمن في أن يزداد قلقهم لدرجة كبيرة،. وأنه لا شك أن التخويف الشديد من الأهل والعقوبات الصارمة تساهم في زيادة التوتر وردود الأفعال المرضية.