من يعيد العيد سعيدا؟!

د. خالد حسن هنداوي

هل العيد الذي من المفترض أنه يوم البشر والضحك والوفاء والإخاء وقول الإنسان للإنسان: وأنتم بخير، حيث يظهر الكل جماله في الكل كما قال مصطفى صادق الرافعي بعد أن وصف تجليات العيد ومعناه السياسي في كتابه وحي القلم الجزء الأول. ولكننا اليوم في بعض بلادنا العربية والإسلامية نعجز عن التعبير وتخنقنا العبرة وتدمي قلوبنا الكوارث لو رحنا نتجول في المدن والبلدات والقرى ولسان حالنا يقول ما قاله المتنبي:

عيد بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم بأمر فيك تجديد

غير أن شاعرنا الكبير أدركه ولم يحزن إلا عند ما فاته حظه من الدنيا ولم يكرمه الحاكم العبد كافور الإخشيدي بالمال والجاه والحظوة رغم كل مدائحه الرائقة فنيا المنافقة من حيث الموضوع والهدف، أما نحن خصوصا فيما أشرت إليه من البلاد كغزة في فلسطين وسورية بمعظم محافظاتها والعراق ومصر وإفريقيا الوسطى وأراكان في بورما..... فإننا لن نرى العيد يمر بديارنا وإن مر فلرثاء أحوالنا حيث الحزن والنحيب والحيرة والذهول والسجن والتشرد والتعذيب والتنكيل والتقتيل والتحريق، لاسيما أن هذه المشاهد المأساوية الفظيعة هي في شهر العبادة والطاعة والطمأنينة بذكر الله. لكن رمضان لا يعرفه إلا المسلمون والعيد بعده لا يدرك معناه الحقيقي غيرهم كذلك. أليس يوم العيد هو المجال الأوسع لأطفالنا حيث ينتظرونه بكل شغف ولهف ليظهروا بألبسة العيد الجديدة الزاهية التي كم بحث أهلوهم عنها في الأسواق ليفرحوا بهم ثم يلهو البراعم الذين لا يعرفون إلا الحب الخالص واللهو الخالص أنتحدث عن غزة وفلسطين في العيد، حيث إن اليهود والصهاينة أعداء الأديان والشرائع والإنسانية لم يدعوا أهلها في الشهر المعظم وليلة القدر ينعمون بأي راحة من شدة التدمير واقتراف المجازر التي يعتبرها اليهود أصلا جزءا من الحرب في نصوصهم ولا يجرمونها، لأنها تقع ضد غيرهم فهم وحدهم شعب الله المختار! وإن كان من عزاء لأهلنا هناك، بل للمسلمين وأحرار العالم فهو هذه الانتصارات الرائعة التي مرغت أنف تل أبيب ونتنياهو في التراب وهشمت ما يفخرون به من هيبة زورا ولكن هل يعقل أنه في مدة ثلاثة أسابيع يسقط أكثر من 1050 شهيدا جراء القصف العشوائي وأغلبهم من النساء والأطفال ويصاب أكثر من 6000 جريح وتدمر كليا أكثر من 1556 وحدة سكينة كاملا و22145 وحدة أخرى جزئيا ويشرد 150 ألف نازح كما أفادت وزارة الأشغال الفلسطينية والبلدية. في حين سقط لأبناء القردة والخنازير 80 جنديا وضابطا على ما أكدته كتائب عز الدين القسام و40 على ما اعترفت به إسرائيل التي تخفي الأرقام كي لا تفت في عضد رعاياها. بالإضافة إلى 3 مدنيين وأصيب 463 مدنيا على حد قولهم ولكن العدد أكبر بلا شك. وإضافة إلى الهلع والذعر الذي حل بهم إثر إطلاق الصواريخ على مطار بن غوريون الدولي. وهكذا لقنت حماس والمقاومة معها إسرائيل درسا لن ينسوه في التاريخ حتى هرع نتنياهو يطلب وقف إطلاق النار وركض زعماء العالم الغربي وخصوصا أمريكا وفرنسا كالحمر المستنفرة فرت من قسورة، ولم يناموا الليل والنهار لإنقاذ النتن ياهو وطلب الأمان لتل أبيب وعسقلان وأسدود وبئر السبع... والسؤال يتبادر:

لماذا العالم الغربي هبا لأمر من نتنياهو ولبى

ولعل الإجابة عن سؤالنا عن المذابح أن نقول: إن ما جرى من مجازر يعقل لأنه صادر من اليهود قتلة الأنبياء. وبالنسبة للمجاهدين فإنه يعقل أيضاً، لأن ما أطلق من صواريخ القسام أعطى أكبر دلالة أن القوم يعملون متوكلين على الله معتمدين على أنفسهم ولكن يا للحسرة فإن الطفل لم يعد يبحث عن فرحة العيد، إذ اغتاله أعداء الفرحة وهكذا الطغاة المتوحشون فكيف إذا كانوا من اليهود؟ ورغم ذلك - وإن يكن المخاض عسيرا والحرب ضروسا- فنحن أمة الجبارين وستعود كعكة العيد وحلوى العيد قريبا قريبا بالأيدي المتوضئة بإذن الله عندما يعود العرب وهمهم المسجد الأقصى كما كان هم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصلاح الدين الأيوبي رحمه الله، لا أن يظهر من زعمائهم من ينحاز لليهود والبعض يكونون جواسيس لهم وبعض الإعلام العربي يحرض إسرائيل لمواصلة الهجوم على حماس والمقاومة!

ما العيد إلا أن نعود لديننا حتى يعود لواؤنا المفقود

أما الأعياد في سورية الشام والتي مر بها ثلاثة أعوام مرور البرق الخاطف في السماء خشية أن يشعل بها الأرض اللانظام الأسدي السفاح الذي لم يدع أي فرصة للعيد أن يمر بالبلاد والعباد، حيث رائحة الدم والموت في كل بقعة.

عيد فعيد فعيد دون تعييد إلى متى الشام في كرب وتصعيد

العيد جاء وما في الشام من أحد إلا يئن بأسر الظالم الجاني

ومع ذلك فلا إيقاف لإطلاق النار لا في الأعياد ولا أشهر الصيام وليالي القدر ولا في أي مناسبة، فهي متواصلة كل دقيقة لأن اللانظام لو أوقفها فسيعطي هو ومن يعينه من الروس والمجوس وأذنابهم فرصة لالتقاط الأنفاس وعندها يتظاهر الناس بمئات الآلاف في البلاد، مما سيفضح عصاباتهم أكثر فأكثر كما كانت الحال بداية الثورة وسيضاف هذا إلى البطولات الأسطورية التي أذلت اللانظام واستلبت منه أكثر من %60 من الأراضي المحررة وكبدته خسائرة كبيرة في المعدات والمقاتلين. وهكذا فإن الطغاة فيها هم كالبهائم البشرية والوحوش الغابية ولن تخلع أرسانها ولو يوما واحدا طاعة لمن ولاها لتنفيذ المشروع الأيديولوجي الباطني وتحقيق المصالح لإسرائيل والغرب والشرق إلا الشعب الذي يحرم عليه وعلى أطفاله أن يحتفل بالعيد وأن السوريين يفهمون أن العيد إنما يكون في المعنى الذي يكون في يومه لا في اليوم نفسه كما قال الرافعي. فهو يوم المشاعر الواحدة التي تثبت الأمة فيه وجودها الروحاني لا الحيواني وهذه المشاعر هي التي تجعل الوطن يهب بقوته الدينية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية، بل العسكرية، وكأن يوم العيد يوم الانتصار والفخر وأن هذه المعاني السياسية فيه هي التي من أجلها فرضه الله ميراثا دهريا:

حقيقة العيد يا أحرارنا همم يشدو بها الدهر في فخر وتخليد

فمتى تشرق شمس الحرية في الشام ويكون العيد سعيدا؟ وإنه ليوم قريب بإذن الله. أما في العراق الذي استحوذ عليه الطائفيون وعلى رأسهم المالكي، حيث جعله مستعمرة إيرانية، فإننا نقول: إن العيد فيه اليوم لن يكون سعيدا أيضا ولكن العصائب في العراق وقوة الحق فيه هي التي ستجعل عروش الباطل يبابا. وأما ما يتعلق بأرض الكنانة مصر الكبيرة فإن بعض الحكام الجدد فيها إنما يعملون لصالح إسرائيل ومع ذلك فالثوار فيها ستعلو كلمتهم بإذن الله ويذهب الذبد جفاء. فأبشروا أيها العرب والمسلمون وأحرار العالم، فإنه ليس بعد الليل إلا الفجر الصادق المبشر.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"