لدرء الخطر الأكبر

د. حسن البراري

مرّ أكثر من أسبوع على بدء عملية عاصفة الحسم، وهي عملية فاجأت المراقبين الذين وصل بعضهم إلى نتيجة أن العرب سينتظرون الغرب ليحارب نيابة عنهم. وعلى العكس من ذلك نجد أن الطرف العربي والخليجي على وجه التحديد هو من يقود العملية من ألفها إلى يائها دون انتظار أحد ودون أخذ الإذن من أحد..

فالتداعيات الإستراتيجية الخطرة التي يمكن أن تترتب على تغير موازين القوى في الخليج شكلت دافعا لعدد من الدول العربية والخليجية على وجه التحديد لتوظيف القوة العسكرية في اليمن، فالمؤكد اليوم أن النظام الخليجي السائد لم يعد قادرا على التساهل أو التعايش مع حالة الاستقواء والتنمر الإيراني التي بلغت حدا لا يمكن أن يستمر دون رد فعل حاسم.

فما من شك أن هناك انقلابا حوثيا على الشرعية في اليمن، وأن الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح لعب دورا حاسما في تأجيج الحالة اليمنية ليخلط الأوراق لعل وعسى أن تتاح له فرصة العودة للسلطة حتى لو كان الثمن إقصاء الملايين من اليمنيين أو حتى تسليم إيران على طبق من فضة لإيران التي لن تتلكأ عندئذ في ابتزاز دول الخليج العربي أو العمل على زعزعة أمنها. غير أن الأمر برمته يتجاوز اليمن ويطال خطوطا حمراء بالنسبة لدول الخليج والعرب عموما عندما يتعرض الحد الشرقي للعالم العربي للتحرش الإيراني السافر.

فالدعم والتحريض الإيرانيان للحوثيين ليس فقط من أجل تحقيق هيمنة حوثية على مقاليد الأمور في اليمن بل لتحويل اليمن برمتها إلى منطقة نفوذ إيرانية وتمنح إيران موطئ قدم لا يمكن أن تحصل عليها إلا بهذه الطريقة البشعة، وهنا مكمن الخطر، فوجود إيران في اليمن هو خدمة لأعداء العرب وعلى رأسهم إسرائيل، فمجرد وجود الإيرانيين على حدود دول الخليج يعني أن هذه الدول ستخصص الكثير من الموارد لأغراض الأمن بدلا من التنمية ودعم الصمود الفلسطيني. فأسوأ وضع يمكن أن يعيشه العرب هو أن انطبق عليهم فكا الكماشة الصهيوني من الغرب والفارسي من الشرق، لذلك كان الرد بحجم التهديد.

رهان الحوثيين ومن يقف خلفهم تمحور حول فكرة أنه بالإمكان تغيير الوضع القائم في اليمن دون أن يستدعي ذلك أكثر من حالة شجب وإدانة إقليمية ودولية سرعان ما تتبدى وبعدها يستفيق العالم "البراغماتي" ويصبح حينها أكثر ميلا للتعامل مع الأمر الواقع، هذا الرهان الفاشل لم يأخذ بالحسبان أن دول الخليج لديها من التصميم ما يكفي لشن حرب إن لزم الأمر للحفاظ على الأمن الجماعي في الخليج.

إيران بدورها جربت التدخل في العراق ولبنان وسوريا وهي ترى أنها لا تدفع ثمنا لذلك، بل على العكس هناك محاولات من قبل القوى الكبرى في العالم للتفاهم مع إيران.. كما أن هناك انطباعا لدى إيران يفيد بأن الولايات المتحدة تتجنب مواجهة عسكرية مع قواتها أو حتى الفصائل التي تحظى بالدعم الإيراني، وإذا كان الأمر هكذا فالأمر – وفقا للإيرانيين – سينطبق على اليمن!

ما أسقطته إيران من حسابتها أن العرب لن ينتظروا أحدا ليخوض حربهم إن لزم الأمر، فالعرب بهذا المعنى قادرون على الحرب وإدارتها، وما أن بدأت عاصفة الحسم حتى تهاوت القوات الحوثية التي لم يعد بوسعها حتى مجرد الدفاع عن نفسها أمام السيطرة الجوية الهائلة لقوات التحالف العربي، وهذا بدوره، يميط اللثام عن أساطير القوة الإيرانية أو حتى المساهمات الإيرانية، فعلى الرغم من الدعم والتسليح الإيراني المستمر للحوثيين لم تتمكن إيران من عمل أي شيء سوى الدعوة لحل سياسي لعلها تجنب حلفاءها هزيمة عسكرية ماحقة.

وربما من المفيد أن نستذكر أن إيران دفعت بقاسم سليماني لقيادة عملية للدخول إلى تكريت التي لم يتواجد فيها إلا بضع مئات من مقاتلي داعش، ومع ذلك أخفق هذا الجنرال من صناعة الفرق، فلولا انضمام الولايات المتحدة وإشراك سلاحها الجوي لما تمكنت قوات الشيعة وسليماني (تحت غطاء القوات الحكومية) من الدخول إلى تكريت. وما حصل في تكريت وما يحصل في اليمن سيشكل نقطة تحول بتقديري على الأقل في الانطباع الشعبي عند الكثير من العرب والمتعلق بقوة إيران، فهل إيران هي نمر من ورق؟!

ما تقوم به دول الخليج في الفترة الحالية ومن خلال عملية عاصفة الحسم هو إعادة اعتبار للعرب وربما يؤسس لنوع من التضامن العربي، وعلى نحو لافت لاقت عملية عاصفة الحسم قبولا عربيا شعبيا من الأطلسي وحتى الخليج، وكأن العرب كانون متعطشين لهذا النوع من الحسم في العلاقة مع الآخر، وهنا الحديث عن إيران التي ينظر إليها بأنها استخفت كثيرا بالعرب وتعتبر أراضيهم ساحة لخوض معاركها.

نحن إذن بصدد صناعة مستقبل مختلف، وهنا لابد من التذكير بأن صناعة المستقبل قد تكون مؤلمة، فالحرب ليست مسألة سهلة، لكن في الوقت ذاته فإن عدم خوضها الآن وبهذه الطريقة سيفضي إلى واقع باهظ الكلفة على المديين المتوسط والبعيد.

ويبدو أن دول الخليج تعلمت من دروس التاريخ في مناطق مختلفة، فسياسة الاسترضاء لم تجلب يوما من الأيام إلا الحروب، وثبت للقاصي والداني أن أي نوع من الاسترضاء مع إيران سيقود الأخيرة لطلب المزيد وربما حتى التدخل في شؤون الدول العربية وممارسة الغطرسة، لذلك يخوض العرب هذه الحرب لدرء المخاطر المستقبلية ذات الكلفة الباهظة جدا وبخاصة وأن الشعوب العربية لم يعد ينطلي عليها أكذوبة مقاومة إسرائيل، فإيران كمصدر للتهديد للأمن العربي لا تختلف عن إسرائيل.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"