حلم السياسي الأمريكي لاروش يتحقق بعد ثلث قرن

د. أحمد القديدي

أهم حدث استراتيجي دولي في تقديري للأسبوع الماضي هو مطالبة وزير الخارجية الروسي لافروف بإقامة نظام عالمي جديد يعوض النظام القديم المعروف بالأطلسي مؤكدا أن ذلك النظام انتهت صلاحيته وهو المؤسس على تحكم الغرب في مقدرات العالم. جاء هذا الطلب أثناء انعقاد مؤتمر الأمن الدولي بمدينة ميونيخ الألمانية من 17 إلى 19 فبراير الجاري بحضور نائب الرئيس الأمريكي و المستشارة الألمانية. بالتزامن مع الطلب الروسي وقف الرئيس الصيني في مؤتمر بيجين للتعاون الدولي ليعبر عن نفس الرغبة و يقترح تعويض النظام الأطلسي البائد بمشروع (طريق الحرير) المعتمد على التنمية و التعاون و السلام بين كل أمم الدنيا. و تيقنت أن نعت الرئيس ترامب لحلف شمال الأطلسي بأنه منتهي الصلاحية يندرج في ذات الاتجاه القوي المشترك لتغيير قواعد و غايات النظام العالمي بنظام بديل. و لكن الذي خفي عن أغلب المراقبين هو أن هذا البديل كان اقترحه على زعماء العالم السيد ليندن لاروش المفكر و السياسي و عالم الاقتصاد الأمريكي الذي شغل منصب مستشار لدى الرئيس ريغن و كان هو الأب الحقيقي لبرنامج (حرب النجوم). وهو المناضل الذي لم يتعب وقد تجاوز اليوم التسعين من فضح مظالم النظام الأطلسي المكرس للنهب و الحرب. السيد لا روش هو الوحيد الذي أنذر العالم من انهيار النظام النقدي الدولي و شخص الداء كما أنه الوحيد الذي وصف العلاج منذ أكثر من ثلث قرن برؤية نادرة من استشراف المستقبل واستباق الأزمات، و أصبح اليوم مرجعا أمريكيا و دوليا للخبراء و الساسة حتى يتخذوا القرارات الجذرية و التأسيس لنظام اقتصادي و استراتيجي عالمي يعوض ( بريتن وودس) و (الناتو) و يقوم على العدل و الأمن و التعاون بين أمريكا و الصين و روسيا و الهند و مد شبكات الطرقات و الجسور و الاتصالات و إسناد التواصل بين الأمم بإقامة علاقات حضارية تعجل بإنهاء الاستغلال و النهب ثم حل الأزمات الكبرى بالاحتكام للقانون الدولي و أولها أزمة الشرق الأوسط بالكف عن الدعم المجنون المغامر لسياسات إسرائيل لأنها في تحليله أصبحت تهدد الأمن و السلام العالميين و تتحول إلى بؤرة من العنف و القتل و الإبادة العرقية. كما أن السيد ليندن لاروش من أنصار سيادة الأمم على ثرواتها و خياراتها و عدو لدود للاقتصاد المؤسس على الربا و تجارة الأوهام وإحلال الافتراضيات محل الواقع الملموس مقاوم بلا هوادة لتلاعبات المضاربين لأنه ما فتىء يدعو لاقتصاد عالمي يقوم على الإنتاج الفعلي للثروة والتشغيل و العدل و الرفاه و التكنولوجيا و التجارة، ومكافحة استبداد وأمبريالية المصارف و الشركات عابرة القارات. هذه المواقف يعبر عنها السيد لاروش منذ ثلاثين عاما من خلال مجلته الشهرية القيمة (إكزكتيف أنتليجنس ريفيو) و أسبوعيته العالمية التي تصدر بثلاث لغات (نيو سوليداريتي) و في نشرته الخاصة الموجهة للنخب الحاكمة ( ستراتيجيك ألرت) و أيضا عبر الأحزاب الأمريكية و الأوروبية التي تنحدر من أفكاره و تدعو إلى سماع صوته. وهي مواقف تشكل بالضبط ما يطمح إليه زعماء روسيا و أمريكا و الصين من تغيير، أي التغيير الذي أعلن قطيعة كاملة مع سياسات المحافظين الجدد في واشنطن و مطامع أحزاب اليمين العنصري المتطرف في أوروبا.

ليندن لاروش عرفته شخصيا منذ ما يربو عن الخمس والثلاثين سنة و زرته عديد المرات في بيته بضواحي واشنطن و في بيته الألماني قرب (فيزبادن) و التقيته مرات لا تحصى في عواصم أوروبية خلال مؤتمرات اقتصادية و سياسية عالمية و شارك معي في عدة لجان دولية منها اللجنة العالمية لإطلاق سراح المناضل الفلسطيني مروان البرغوثي و عملت معه ومع السيدة هلجا زوجته ضمن الهيئة العالمية لمناهضة الألعاب الإلكترونية العنيفة التي تغرس في أطفالنا غريزة القتل و التدمير. و ما أزال أعتقد أنه من الشخصيات الأمريكية الأبعد رؤية و الأعدل موقفا و الأقرب إلى قضايا الإنسان المستضعف في العالم و الأقدر بالتالي على إعادة الاعتبار للأمة الأمريكية التي فقدت خلال العشرية الماضية ما تبقى لها من هيبة و احترام. و أنا لا أقنط البتة من إمكانية تعديل السياسة الأمريكية الخارجية إزاء القضايا العربية لأن هذا الاحتمال ممكن جدا مهما كانت مواقف ترامب الارتحالية، إذا ما أدركنا نحن العرب بعض السبل المؤدية إلى ذلك، فلا يكفي أن نكون على حق بل يجب أن نعرف كيف نفرض ذلك الحق في مجال العلاقات الدولية الذي يفرض فيه أعداؤنا الباطل.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"