بقلم : د.محمد بن علي الكبيسي الأحد 25-06-2017 الساعة 12:31 ص

قطر في مواجهة أطماع السيادة

د.محمد بن علي الكبيسي

جلست، بعد نشر مقال "الإرهاب على قطر ومكافحته" (الشرق 19/6/2017)، أتفكر في حجج دول الحصار على قطر من زاوية أخرى، زاوية شخص لا ينتمي لأي من دول الخليج العربي. وبعد ذلك اتضح لي أن كل الحجج التي ذكرتها وسائل الإعلام ما هي إلا حجج تريد أن تأخذنا بعيداً عن السبب الحقيقي. فعذرهم بخصوص التقارب مع إيران سخيف جداً لأن الواقع يكذبه. فالمصالح هي التي تحكم العلاقات بين الجانب الإيراني وبقية دول الخليج. فالسعودية، باعتبارها صاحبة الأزمات المتتالية مع إيران، ترتبط معها بحجم تبادل تجاري يبلغ حوالي 500 مليون دولار. وبعد أن قطعت علاقاتها مع إيران، وجدنا السعودية تستفيد من منطقة جبل علي الحرة في إجراء العديد من عمليات التصدير والاستيراد. أما الإمارات، وعلى الرغم من احتلال إيران ثلاث جزر إماراتية، فهي لا تخجل من الإعلان بصراحة بأن حجم التبادل التجاري مع إيران بلغ 17 مليار دولار. وهي بهذا تستحوذ على 80 % من التبادلات التجارية بين طهران ودول مجلس التعاون كاملة. بالإضافة إلى ذلك، فإننا نجد أن أكثر من 10 آلاف شركة إيرانية تعمل بالإمارات. والبحرين ليست بعيدة عن تلك المصالح. فتربطهما اتفاقيات متنوعة منها منع الازدواج الضريبي، ودعم التبادل لتسهيل الاستثمار البحريني في إيران. وقدر حجم التبادل التجاري بينهما بحوالي 200 مليون دولار. أما قطر، المتهمة بعلاقتها مع إيران، فقد بلغ حجم التبادل التجاري مع إيران نحو 300 مليون دولار. أما عذرهم الثاني، وهو دعم قطر لحماس، فهو عذر أقبح من ذنب. فالقرار لم يأت من أفكار الحكومة القطرية، بل أتى تنفيذاً لقرار مجلس الجامعة العربية لإعادة إعمار غزة بعد العدوان الإسرائيلي عليها عام 2008. ولأن قطر حذرة في هذا المقام فهي لم تسلم السلطة الفلسطينية أو حماس مبلغ الدعم، بل قامت بعملية الإعمار (مساكن وطرق ومستشفيات وبنية تحتية.. الخ) بنفسها لتتأكد أن المبالغ المرصودة تم استخدامها الاستخدام الصحيح. ونجد البعض يقول إن تخلي قطر عن أهل غزة هو تمهيد لغزوها، فنقول عينوا خير، فعندما قامت إسرائيل بالهجوم على غزة، من ديسمبر 2008 إلى يناير 2009، لم تأخذ أي موافقة، بل وجدنا أن معظم الدول العربية تلوم حماس، وليس إسرائيل، على تلك العملية. أما عذرهم أن قطر تدعم الإخوان فهو عذر ساذج أطلقه عليها رئيس دولة قمعية قام الجيش باغتصاب الحكم من الرئيس الشرعي. فقطر، وقبل الربيع العربي على تلك الدولة، كانت تساعد الشعب في التخفيف من معاناته اليومية، واستمر الدعم بعد الربيع، وبعد اختيار الرئيس الشرعي، وبعد أن اغتصب الحكم من الرئيس الشرعي. فتغير الأنظمة في تلك الدولة لم يمنع قطر من مساعدة ذلك الشعب. أما عذرهم بقناة الجزيرة فهو عذر من لا عذر له. فعندما أرادت الدول الثلاثين القضاء على رئيس العراق بحجة أسلحة الدمار الشامل، قامت الجزيرة بفضحهم، وألبت الرأي العام العالمي ضدهم، وخرجت مظاهرات في كل دول العالم ضد غزو العراق، ولكن كل ذلك لم يمنع تلك الدول عن هدفهم بغزو العراق، وشنق رئيسه السابق. أحدهم ذكر ان من أسباب الحصار هو لإجبار قطر لتتخلى عن مشروع مد خط أنابيب الغاز إلى الصين مروراً بالخليج إلى إيران ومن ثم للصين. وأيضاً هذا المشروع عديم الجدوى الاقتصادية وذلك للجبال الشاهقة التي ستعترض الطريق، ومنها سلاسل جبال زاجروس والهملايا، ولا ننسى أن بعض الدول، التي سيمر عليها أنبوب الغاز المزعوم، لديها نزاعات مع بعضها البعض مما يهدد تلك الأنابيب. من كل ذلك نعرف أن الأعذار، التي ذكرت، ما هي إلا أعذار واهية، وليس لها مصداقية حقيقية على أرض الواقع. لهذا تساءلت عن السبب الحقيقي لهذا الحصار.

كما هو معلوم أن السعودية أصلها كان نجد، وكانت تسمى "إمارة الرياض". ولكن مع إنشاء الدولة السعودية الثالثة، في يناير 1902، أخذ مؤسسها بالتوسع يميناً وشمالاً. وبعد إسقاط إمارة حائل تغير مسماها إلى سلطنة نجد. وفي 1932 تغير المسمى إلى المملكة العربية السعودية. إن حب التوسع عند آل سعود يطغى على كل شيء، ولهذا فإنه ليس بغريب أن نجد السعودية لديها مشاكل حدود مع جميع جيرانها. عند سقوط الدولة السعودية الثانية وفرار الأمير عبدالرحمن بن فيصل من نجد لم يجد من يستقبله ويتحدى حكم محمد بن رشيد سوى الشيخ قاسم بن محمد آل ثاني، واستقر الأمير عبدالرحمن ومعه أهله في قطر لمدة 3 سنوات انتقل بعدها إلى الكويت. ودارت الأيام وقام الأمير سعود بن عبدالرحمن، وبهدف استرداد ملك أبيه، بشن غارة على الرياض في 1902 وتسلم حكمها وأنشأ إمارة نجد. وفي خضم التوسع المستمر للأمير عبدالعزيز وجدناه، في 1913، يطالب بضم قطر لها باعتبارها جزءاً من إقليم الأحساء (سبحان الله هل هذا هو جزاء الإحسان). ولكن بوجود بريطانيا (قبل توقيع قطر اتفاقية الحماية معها) أصرت أن حدود قطر يجب أن تكون كما حددتها الإمبراطوية العثمانية (يعني حتى مدينة الدمام). وبعد شد وجذب، وبعد سنتين من الجدال، تم الاعتراف بحدود قطر لتشمل جميع أجزاء شبه الجزيرة القطرية. وأعادت السعودية المطالبة بقطر، أو على الأقل إلى منطقة أم باب، وذلك بعد تفجر النفط في الأراض القطرية، ولكن كانت بريطانيا لها بالمرصاد وأيدت حق قطر على كامل أراضيها طيلة وجودها في منطقة الخليج العربي. وفي العام 1965، وبتوجيه من بريطانيا، وقعت قطر والسعودية اتفاقا يقضي باتخاذ ترسيم الحدود بينهم. ومع خروج بريطانيا من قطر وجدنا السعودية تتقدم بحوالي عشرة كيلومترات من ناحية سلوى (نفس الأسلوب الذي اتبعته مع عمان)، وبه ابتلعت مركز قطر الحدودي. ولم تتكلم قطر بل قامت بإنشاء مركز حدودي جديد أطلقت عليه مركز أبو سمرة. ولم تتوقف المطامع التوسعية السعودية فنجدها، في عام 1992، تتقدم مرة أخرى من ناحية مركز الخفوس الحدودي، ولكن سمو الأمير الوالد، الذي كان ولياً للعهد، تصدى لهم وبقوة، وكادت المواجهة أن تؤدي إلى حرب بين البلدين. ولكن هل توقفت محاولات السعودية؟.. هذا ما سنتابع سرده في المقال القادم إن شاء الله.

والله من وراء القصد،،

m.kubaisi@gmail.com

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"